مأساة أم قصة : حياة خوري مذكرات في سجون أمريكا

2021-08-26 17:28:00

عيون دمشق - حياة خوري

                                                                                              كنت أتصفح الفيس بوك وأقرأ ما كتب على بعض صفحاته مر أمامي إعلان لأحد المكاتب في )  أبو رمانة (  بأنه يؤمن مقابلات في السفارة الأمريكية في بيروت..  أخبرت أبنائي مهند وأيهم بذلك وقلت لهم :

 أريد أن أتقدم  بطلب لهذا المكتب فوافقاني .. وتم التقديم .. ودفعنا الرسوم ,وحدد لنا الموعد, وكان من بين الأسئلة التي سألوني إياها لماذا تريدين الذهاب إلى أميركا..

 فقلت :

 هي سياحة ولرؤية ابني موسى والتعرف إلى حفيداتي والاطمئنان عليهم ..  ابني الذي لم أره منذ سفره بتاريخ ٦ / ٣ / ١٩٩١ عندما تزوج وسافر عندما كان طالباً في السنة الثانية كلية التجارة والاقتصاد أي كان شاباً في العشرين من عمره .. وأتانا الرد على المقابلة بالموافقة كانت الفرحة تغمر قلوبنا لأنني سوف أرى موسى بعد هذه الأعوام الطويلة.. والتي كانت أمنيتي أن أره قبل أن توافيني المنية فقد زرته مرة واحدة خلال هذه الأعوام عام ١٩٩٤ بعدما أخبرني أنه تأثر كثيراً بمسلسل تلفزيوني سوري هو نهاية رجل شجاع الذي عاد بطله فوجد والدته قد توفيت.

موسى طبيب ناجح بامتياز تجاوز كل الفحوصات الأمريكية ولم يبق أمامه إلى الفحص السريري لينال البورد الأمريكي في طب الطوارئ..  هو هناك وأنا أعاني .

 وقد رفض الطلب عدة مرات دون أن نعرف السبب وأخيراً حجزنا وسافرنا من دمشق إلى بيروت على شركة الطيران البريطانية إلى لندن ومن ثم إلى شركة الطيران الأمريكي إلى مطار لوس أنجلوس .. أربع وعشرون ساعة طيران مرت .. لم نشعر بها .. وقد كنت أعد الدقائق والثواني للقاء ابني وعائلته وأحلم كيف سيكون هذا اللقاء بعد هذه السنوات الطويلة ، كانت دموعي تسبق حلمي وتجري على وجنتي كالشلال..  وقد حمدت الله كثيرا لأن حلمي صار قاب قوسين أو أدنى ووصلنا أخيراً إلى مطار لوس أنجلوس..  وسبقتني روحي لتعانقه ، أسرعت إلى قاعة المستقبلين..  ولم أشعر بمن حولي .. وكنت أبحث عنه حتى أخيراً ..  وقع نظري عليه هرعت نحوه..  وكأنني طفلة صغيرة .. وارتميت على صدره أشم رائحة عطره التي ما زالت إلى اليوم تعشش في أنفي وكان اللقاء حميمياً في شوق وحنين وألم وحرمان .. وغصة لن تزول .. وقد عشنا هذه السنوات وهو بعيد عنا ..  صار يتأمل أخويه الذين كانا طفلين والآن أصبحا شابين ، ركبنا سيارة الليموزين وسرنا باتجاه منزله وطوال الطريق كان يتأملني وكأنه لم يصدق أننا معاً وهو يردد أهلاً بكم اشتقت إليكم كثيراً.

...

حين وصلنا إلى منزله كانت في استقبالنا زوجته وبناته الثلاثة .. يا الله ما أجملهن ، حقاً إنهن بنات موسى الذي أصبح رجلاً جميلاً وزوجاً مخلصاً وأباً حنوناً .. لفتيات جميلات ، الحمدلله لم تغيره الغربة ولم تجعل قلبه يعرف القسوة رغم أننا لم نتذوق طعم السعادة منذ أن سافر وتركنا .. وهو شاب في مقتبل العمر لتحقيق أحلامه وأمانيه .. لقد قضينا في منزله بين أسرته أجمل الأيام وفي يوم من الأيام طلب مني أن أقدم إلى ) الغرين كارت(  على جنسيته الأمريكية لا أعرف لماذا وافقت بسرعة رغم أنني لا أريد العيش في أمريكا لكن إحساسي أن هذه الموافقة هي لكي أستطيع أن أراه في أي وقت أشاء فذهبنا إلى المحامي الذي يدعى جورج شلهوب فلسطيني أمريكي فقال لنا :

إن ( الغرين كارت (  مدته طويلة حتى يتم الحصول عليهاوهناك وسائل أفضل فخلال ثلاثة أشهر أو لحدود الستة أشهر نستطيع الحصول على باسبور أمريكي مؤقت لي ولأولادي وبه نستطيع الذهاب إلى كل دول العالم وبعد هذه الستة أشهر يمكن الحصول على الفيزا من السفارة الأمريكية ومدتها سنتان ، فتركنا الأمر للمحامي بعد أن دفعنا له أتعابه تسعة آلاف دولار لكل واحد منا ثلاثة آلاف..  وخلال الأشهر التي قضيناها لم نحصل على أي ورقة ولا جواب ونحن ننتظر على أحر من الجمر خاصة أن أولادي تركوا أعمالهم في سورية على أمل لن يتحقق وهنا اضطر ولدي مهند أن يعود إلى دمشق لمتابعة أعماله وطلب من المحامي أن يوقف أوراقه للعودة إلى دمشق ومتابعة أعماله .. وكلما كنا نسأله عن الأوراق كان يتهرب وبعد أن مضى عام على ذلك استلم ابني مهند) الباسبور ) الأمريكي المؤقت.. كنت أتمنى أن أعود مع أولادي ويعود معي موسى وعائلته وفي يوم من الأيام جائني خبر بأن زوجي مريض وأدخل المشفى لأن وضعه الصحي كان سيئا جداً..  وهو يلح في طلبي ورؤيتي فأخذني موسى وذهبنا إلى المحامي وقلت له: يجب أن أسافر إلى سورية فقال لموسى

   :ولكن في حال أن ذهبت الوالدة إلى سورية يجب أن ترسل لنا تقريرا طبيا من الخارجية وتقدمه إلى ) الأم غريشن ) فهم يقدرون الوضع وقال لي المحامي : إذا سألوك:

هل تعودين بنفس الطائرة.. قولي :

 أريد مقابلة القاضي وأنا سأكون عند القاضي وأنهي لك جميع الأوراق لتسافري إلى سورية.

وفي سورية كان وضع زوجي سيئا جداً فأخذت من المشفى تقريرا طبيا عن حالته الصحية  وصورتها على نسخ اثنتين للمحامي وواحدة احتفظت بها مع جواز سفري ..   وبعد فترة استقر وضع زوجي الصحي فعدت إلى أمريكا مع ابني مهند ليستلم / الغرين كارت /  وفي تاريخ ١٧ / ٣ / ٢٠١٦ انطلقنا من مطار بيروت على الطيران الإماراتي إلى دبي ثم إلى لوس أنجلوس كانت سفرة طويلة ومتعبة جداً وتمنيت لو أنني لم أعد إلى أمريكا ولكن ابني موسى يقطن بها وحين وصلنا إلى الجوازات ختم الضابط جواز ابني الأمريكي المؤقت وعندما نظر إلى جوازي ركنه بجانب الطاولة وسألني كنت في سورية فقلت  :

نعم لأن زوجي كان في وضع صحي سيء وهذا التقرير الطبي الذي جلبته معي من المستشفى ، طلب منا الجلوس وبقينا من الساعة الواحدة ظهراً حتى الثانية عشر ليلاً ثم طلبوني إلى غرفة أخرى  ..  دخلت فكان فيها امرأة توتدي لباس ضابط وسألتني هل تريدين العودة بنفس الطائرة أم تقابلي القاضي فتذكرت كلام المحامي بل سأبقى لأقابل القاضي ثم طلبت مني أن أعطي ابني مهند كل أغراضي حتى محفظة يدي ولم يبق إلا الثياب التي أرتديها وخلعت / سنسالاً / كان في رقبتي وزوج الحلق الذي أرتديه في أذني، أخذهم أبني مهند وتحدث مع المحامي ولم يعرف سبب احتجازي لديهم وكان جوابهم ستبقى في المطار حتى الصباح كي تتحول إلى القاضي وهنا شعر مهند بالخوف كما شعرت أنا به فكتب لي رقم ابني موسى على ورقة صغيرة ووضعها في صدري خفية عنهم لقد جردوني من كل شيء إلا ثيابي التي أرتديها وودعني مهند على أمل لقائي صباح الغد وقلت له : كل شيء سيهون ما دمت سأرى موسى وعائلته وخاصة أنه في وضع صحي يجعلني دائماً قلقة وخائفة عليه وبعد أن ذهب مهند وأنا جالسة في غرفة الضابط جاء اثنان من الضباط أيضاً وطلبا مني أن أذهب معهما لكنني رفضت ذلك وقلت سأبقى هنا حتى الصباح لأقابل القاضي، لم يكترثا بكلامي بل أخرجاني من باب صغير ومشيت معهم بين الطائرات وعندما تعبت قلت :

 لهم سوف أدخن سيجارتي وأتابع المسير ثم وصلنا إلى سيارة المساجين وهنا قلت بصوت عال اتركوني سأبقى بالمطار ولكنهم أجبروني على الصعود والدخول بالسيارة رغماً عني، كنت أتساءل بيني وبين نفسي ما الذي يحصل وإلى أين يقوداني وما هي تهمتي، ماذا فعلت يا رب، زجhني بالمقعد الضيق بين السائق والقسم الآخر من السيارة المغلقة فرحت أطرق على الزجاج المغلق بشبك حديدي الذي يفصل بيني وبينهم وأصرخ بأعلى صوتي أريد أن أبقى في المطار ولكن لا حياة لمن تنادي وكنت في غاية الدهشة والاستغراب ولا أعرف هل أنا في حلم أم في حقيقة، إلى أن وصلنا / الدانتاون / مركز المدينة دخلنا إلى ثكنة عسكرية مليئة بالدبابات والجيش وحين وحين وصلنا فتحوا باب السيارة وقالوا هيا انزلي ، كانت السيارة عالية لدرجة أنني لم أستطع النزول ولم تصل قدمي إلى الأرض وعلقت قدمي الأخرى بباب السيارة فسقطت على الأرض وشعرت أن ركبتي قد انسخلت عن جسدي فقلت لهم :

 أرجوكم أريد طبيباً لقد تهشمت ركبتي والدم يسيل منها حاولت الوقوف فلم أستطع وكان الألم يشتد ويشتد ودموعي تتساقط مع زفرات قلبي وهنا جاءا بكرسي وجلست عليه وجروني حتى دخلت من باب حديدي فرأيت أمامي ضابط وضابطة فتشا ثيابي ولم أشعر بجسدي الذي يتمزق من الألم أعدت عليهم نفس الطلب أريد طبيباً فأنا أتألم لم يكترث أحد لنداءاتي وتوسلاتي فشعرت بأنني سوف يغمى علي لأنني لم أذق الطعام ولا الشراب ، أدخلوني إلى زنزانة صغيرة بعد التفتيش  .. كان فيها لوح صاج عرضه ثلاثين سم وطوله متر أي ما يشبه الغرفة مترين بمتر وباب حديدي سميك وفي أعلى الغرفة نافذة صغيرة جداً فيها زجاج وشبك حديدي وصلت إلى الباب بصعوبة والألم يزداد ضراوة قلت  :

يا الله ساعدني لماذا أنا هنا وما الذي يجري ؟؟ !! ..

 كنت أسمع أصوات الناس وهم يمرون من أمام النافذة ..  من الخارج جاء أحدهم وضع لوحة على الباب كتب عليها سورية صرخت بأعلى صوتي نعم أنا سورية وأفتخر ولكنني لست إرهابية أو مجرمة وتذكرت كلام المحامي بأنهم إنسانيون ويقدرون الظروف لكنني فوجئت بأنهم مجرمون ولا يعرفون الإنسانية، زحفت قليلاً على قدمي الأخرى حتى وصلت الباب وبقيت أصرخ :

 أريد طبيباً فأنا أتألم جداً أخذوني على كرسي ضمن ممرات السجن وأدخلوني إلى غرفة فيها ممرضة سألتني هل تتكلمين الإنجليزية ?

 قلت : لا ، أعطتني الهاتف فتكلم معي شخص باللغة العربية قلت : أريد أن أمكث في المطار حتى الصباح لأرى القاضي والمحامي فرد علي أنا طبيب فقط اشرحي لي وضعك الصحي وشرحت له عن وضع ركبتي بدقة ثم أخذت الممرضة السماعة مني وناولتني كأس الماء وحبة الدواء لكنني لم أجرؤ على تناولها خوفاً من أن يقتلوني لأنني سورية ، أوهمتها أنني وضعت الحبة في فمي وشربت كأس الماء وأعادوني إلى الزنزانة وعندما أوصدوا الباب شعرت أنهم أوصدوا على روحي القبر فبكيت طويلاً وأنا أردد :

 ساعدني يارب، لم أستطع الجلوس على لوح الحديد المرتفع وخاصة أنني مرهقة من السفر ثمانية وأربعون ساعة بدون طعام أو ماء ورغم ذلك كنت أريد أن أصحو من هذا الكابوس وأذهب إلى أولادي.

مسحت ركبتي من الدم بالقميص الذي كنت أرتديه تحت الجاكيت .. في تلك الليلة لم يغمض لي جفن ..

 سكون في الخارج وأضواء خافتة ومكاتب خالية لا أعلم كم مرة من الوقت حتى شعرت بحركة في الخارج حاولت الوصول إلى نافذة الباب وأنا أجر قدمي اليسرى والألم يمزق  أوصالي فرأيت خمسة شبان يرتدون ثياب برتقالية مجنزرين بالحديد وفجأة فتح الباب ودخل منه ثلاثة ضباط وراحوا ينظرون إلي واقتادوني عبر الممر حيث كان ينتظرنا ضابط وضابطة قلت لهم ) : ارحموا سني وعجزي لم أفعل شيئا إلا أنني جئت لأرى ابني (  لكن الضابطة أوثقت معصمي وجنزرتني بخصري قلت:

 أنا لست مجرمة ولا إرهابية اقتادوني في سيارة المساجين وبنفس المقعد وكانت السيارة مليئة بأوساخ المساجين ورائحتها نتنة جداً مما جعلتني أتقيئ ولأن المقعد كان ضيقاً التزقت ركبتاي بالحديد الأمامي الفاصل بيني وبين السائق وكلما تحركت السيارة أصرخ من شدة ألمي وأشعر أنني سأغيب عن الوعي.

خرجت السيارة من لوس أنجلوس إلى الصحراء وكنت أحاول قراءة اللافتات لكي أعرف إلى أين يسيروا بي وبين الحين والآخر أشعر أنني أغيب عن الوعي وأن روحي تفارق جسدي بسبب الخوف والجوع والعطش ولم أستطع حتى الكلام أو الصراخ .. ساعدني يا رب  .. بنت سورية تعامل كمجرمة ولا تعلم ما السبب وكنت أموت ألف مرة ما بين اللحظة واللحظة وحين وصلنا إلى مبنى في الصحراء كان هناك سجن محاط بالأسلاك والقضبان الحديدة المرتفعة وله أبواب تفتح وتغلق بالكهرباء، أنزلوني وأدخلوني إلى غرفة واسعة فيها مكاتب للضباط والضابطات أجشهت بالبكاء وهم يفكون الجنزير من معصمي وخصري قلت :

 لماذا أتيتم بي إلى هنا لم ارتكب جرماً وطلبت منهم أن أكلم أولادي لكنهم رفضوا أخذتني الضابطة إلى غرفة أخرى , متر بمترين صرخت في وجههم ليس لديكم رحمة فأنا امرأة في الستين من عمري لماذا أعذب ولما هذه القسوة أنا لست مجرمة  ( والڤيزا (  في سفارتكم ولم تنتهي مدتها بعد، كل هذه التوسلات والكلام لم يؤثر بهم بل اقتادوني إلى غرفة التصوير والتقطت لي عدة صور أمامية وجانبية وأخذوا بصماتي مثل المجرمين الذين رأيتهم بالأفلام الأمريكية، عاودت طلبي .. كي أكلم أبنائي لكن الضابطة صرخت في وجهي وهددتني  بأن تضعني في الزنزانة ثم أجلستني على كرسي وأعطتني إبرة تحت الجلد في يدي، قلت لها

 : أرجوك لم أعد أحتمل فالموت أرحم وهنا شاهدت ضابطة زنجية وبعد توسلاتي أخذت مني الرقم الذي خبأته في صدري وتكلمت مع ابني فقال لي :

 ماما عرفنا أين أنت نحن معك لا تخافي وسنخرجك بأسرع وقت ممكن ارتحت قليلاً عندما شعرت أنهم بجانبي وأنهم يعرفون مكاني ثم اقتادوني إلى غرفة ليس لها باب وطلبوا مني خلع ثيابي وأعطوني ثياباً أخرى فقلت :

لا أريد فقالوا هذا لباس السجن ويجب أن ترتديه وافعلي ما نقوله لك فقط وناولتني الضابطة كيسا كبيرا لأضع فيه ثيابي وحذائي .. وراحت الضابطة تنظر إلي مع زميلة لها فقلت :

 ابتعدا عن الباب أريد أن أبدل ثيابي لكنهما رفضتا ذلك، كيف سأخلع ثيابي أمامهما .. ما هذا العذاب يا ربي لكنني مجبرة على ذلك، قالت إحداهن

 : تعالوا , وانظروا ..  إنها بيضاء جداً فارتديت ثيابي بسرعة وخفت .. فخبئت رقم ابني موسى في جيب السترة وناولتني إحداهن كيسا آخر وضعت به بطانية وشرشفا وطقم ثياب آخر للتبديل ..  ثم وضعوا في معصمي حلقة من البلاستيك كتب عليها 10 lo) تين لو  ( وسرت أمامهم بتلك الممرات التي تفتح أبوابها على جهاز..

) كونترول(  ووصلنا إلى قاعة كبيرة كا نت أغلب المتواجدات فيها فتيات في مقتبل العمر زنجيات  .. يا الله أنا في السجن بنت سورية في سجن ولا أعلم ما السبب وحين نطقت برقمي وأعطتني الكيس دخلت وأنا متعبة جداً لم أستطع الوقوف لكن إحدى الفتيات قالت لي :  سأرتب عنك السرير ورحت أراقبها وهي ترتب السرير ..      كان عبارة عن صاج رقيق وعليه مرتبة من الاسفنج الرقيق سماكتها عشرة ، غطت الفتاة المرتبة بشرشف وبطانية رقيقة وخشنة الملمس ووضعت الطقم الثاني من الثياب على شكل وسادة شكرتها وأنا أذرف الدمعة فقالت لي ) : نو مام نو كراي(  ..لا تبكي يا أمي ، اسمي ميريانا  .. وقدمت لي مسبحة كبيرة جلبتها معها من المكسيك .. وطلبت مني أن أصلي بدل البكاء جلست على السرير وأنا ما زلت لا أعي ماذا حصل معي هل أنا في كابوس أم حلم مزعج أريد أن أصحو منه واحتضن أولادي وأعيش بينهم وجلست منحنية الظهر لضيق مسافة الارتفاع بين السريرين ذات الثلاث طوابق وبدأن السجينات يلقين علي التحية وهن يرددن :  مام لا تبكي .. فأنت جميلة    وطيبة ..  كان عددهن ما يقارب المئة ومعظمهم سوداوات البشرة وفي مقتبل العمر إلا واحدة روسية وأخرى من بنغلادش وميريانا من المكسيك ..  كانت دموعي هي التي تتكلم معهن وصمتي هو الذي يحدثهم عما يجول بخاطري مر اليوم متثاقلاً بكل تفاصيله وفي الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر قرع جرس العشاء، نعم لم أعد أحتمل الجوع ثلاثة أيام بلا طعام ولا شراب ولا أدويتي  .. وقفن السجينات في الصف واحدة تلو الأخرى ينتظرن دورهن في استلام الطعام وهرعت ميريانا وقالت لي : تعالي ) مام (  لآخذ نصيبي كان عبارة عن قطعة خبز صغيرة وقطعة زبدة وقليلاً من المربى مع كأس من عصير التفاح ، وفي الساعة السابعة ذهبت مع الضابطة إلى قسم العيادات الطبية وكان ممرا فيه ستة عيادات لكل منها اختصاص ..  دخلت أول عيادة سألتني الطبيبة عن الأمراض التي كنت أعاني منها وكان على الهاتف مترجم طلبت مني الطبيبة أن أعطيها أدويتي لكنني رفضت بشدة وبناءً على الفحوصات التي تجرى لي يقررون الأدوية التي تناسبني ودخلت باقي الغرف حتى اكملت كل فحوصاتي ثم عدت إلى السجن في نظام ومواعيد الطعام والنوم والنهوض والاستراحة وفي الساعة التاسعة مساءً جاءت ضابطة من خارج المهجع للتفقد .. ووقفت كل واحدة أمام سريرها تردد رقمها وبعدها نخلد إلى النوم .. لم يغمض لي جفن من شدة الأرق والخوف وكنت أحاول الصلاة التي نسيت كلماتها .. فقط أقول يا رب ساعدني وفرج عني كربتي، تذكرت ماذا يحصل في السجون الأمريكية من قتل واغتصاب، كنت أنظر إلى الضابطة بخلسة وأتمنى أن لا يغمض لها جفن حتى أستطيع النوم قليلاً لا لا لا أريد النوم سأنام في النهار بقيت على تلك الحال حتى أصبحت الساعة الخامسة صباحاً ولم أشعر إلا والجرس يقرع وكلهم يهرع إلى الحمامات فأقبلت علي ميريانا وقالت : مام الآن وقت الإفطار، بعد أن تناولنا الإفطار عدنا إلى الأسرى للتفقد ثم قمن بعض السجينات بتنضيف المكان مقابل دولار لكل واحدة في الثانية عشر ظهراً ..  قرع جرس الغداء وكان عبارة عن بعض  ( الكيكات والفاصولياء ) وهي حبوب صغيرة مسلوقة وقطعة ملفوف ورأس بطاطا مسلوق بقشره .. وطبعاً الطعام كله بدون ملح مع تفاحة صغيرة، جلست لأتناول وجبتي فلم أستطع بالرغم من أنني جائعة جداً شعرت أن كلهن ينظرن إلي لأقول لهن : خذن طعامي وكن يتهافتن عليه بعينوهن ونظراتهن التي تنبئ بجوع قديم أما أنا فاكتفيت برأس البطاطا المسلوقة والتفاحة وأكثر ما كان يزعجني عند التفقد هو هذا الرقم الذي بات يتردد كثيراً 10 po ، جلست على سريري أتأمل هذه القاعة الكبيرة وفي وسطها طاولات الطعام والمقاعد وشاشات التلفزة وأمام الباب مكتب تجلس عليه الضابطة وهناك مكتبة صغيرة فجلست بجانبها وأخذت أتصفح الكتب لعلني أطرد الملل من نفسي كانت معظم الكتب باللغة الإنجليزية اقتربت من الضابطة وطلبت منها دفترا وقلما لكي أخط عليه يومياتي وأنا أتأمل السجينات معظمهن فتيات في مقتبل العمر إلا أنا في الستينات ببشرة بيضاء والباقي زنجيات من أفريقيا والكاميرون وفتاة روسية وأخرى من بنكلادش وكانت معظم التهم هي التهريب عن طريق المكسيك من البحر أو من كندا، لمحت في العيادات الطبية فتيات يرتدين اللون البرتقالي وهذا يعني أنهن مجرمات قتل لكنهن في سجن آخر بنفس المبنى، عدت إلى سريري وبدأت أكتب يومياتي حتى الخامسة والنصف مساءً قرع جرس العشاء ومن بعدها استراحة بعد العشاء حتى الساعة الثامنة ومن ثم التفقد والنوم وكالعادة لم يغمض لي جفن وأنا أفكر بتلك الأفلام الأمريكية وما يحصل في سجونها وخاصة بالحمامات، وقفت ميريانا أمام الحمام حتى