" بيدر النجوم " في ثقافي الميدان يستضيف الشاعران علي الدندح وأمير السماوي

2021-07-17 18:18:00

عيون دمشق - محمد نذير جبر - تصوير محي الدين كاظم

أقام المركز الثقافي العربي في الميدان فعاليته المتنوعة لملتقى بيدر النجوم والتي استضافت الشاعرين علي الدندح وأمير السماوي.

قدم الشاعر والإعلامي علي الدندح قصائد من مجموعته الشعرية " لا صوت للظل " الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب ، وامتازت مشاركته بالإلقاء الجميل المعبر وانطلق في مبنى قصيدته وتشكيلاتها وفي مضامين عباراتها ومعانيها نحو فضاء واسع من التخييل الموظف لتأدية مقولة القصيدة ، وعمد إلى توظيف الألوان في الحقل الدلالي للقصيدة كما في قوله : " تُدرِّبُ البياضَ على الخيانة " وكما في قوله في موضعٍ آخر : " القصيدة تصارع البياض لتخرج منتصرة من مزارع الكلمات " / " لتخرجَ من جرحِ شاعرٍ خان زرقته " .

ونذكر أيضاً من الفنيات المتنوعة الموفقة التي عمد إليها الشاعر علي الدندح الانزياحات كما في قوله: " يأتي على حين أنثى " / " خُصلةُ شِعرٍ ".

ومن العبارات التي امتلك قوة تعبيرية مميزة نذكر : " أرجوحة القيظ " حيث شدة الحر تجعل لمعظم الأجسام وللأفق هالة متماوجة. وهنا التقاطة موفقة للشاعر وتعبير إبداعي بليغ عنها.

ومما قرأه نقتطف: قيل السعادة أنثى والحزن ذكر

 

 
يا نخلة روحي
يا ابنة هذي الأرض
ها أنت اليوم تعودين من التيه
وتنتشرين كما النار بثوب الصحراء
يا امرأةً أمطرت الكون بعينيها
واختمرت بالشجن الأبدي
تصارع في ميدان الفوضى

عاصفة الزيف

 

وتنبئ أن الأرض

ستولد ثانية من نهديها

 

يا امرأةً تأتي من دون مواعيد

في لحظة تكوين المطر العذري
وتأتي ساهرةً بحروف الشوقِ
ولون الدمعِ الماثل في خدّيها
ذات مساء
لا تقترب الأشياء من الأشياء
إذا ظل الموعد مقتولاً
وإذا بات الوشمُ السحري
كلون في طيف
من كان يظن بأن الأنثى

وهي تدير قوانين الشوق

 

تلم الأقمار بجفنيها

وينام الفجر بخديها
تحتاج إلى من يقرأ في حضرتها
كل مساء قصة قُدرتها في قلب الموجةِ

في صدر البحر

 

وإبعاد الشاطئ عن قدميها أكثر

من كان يراهن أن الأنثى

لا تقدر أن تنهب مَرج النجمات

 

بطرفةِ عين

ثم تخبئها في جيب الليل
سيبقى مخبولاً من لا يعرف شيئًا
عن فوضى الأنثى
من أجل الوشم الزائف في قارعة الليل
سيكتب كل القصاصون حكايات
ويعلق كل العرافون تمائم
حبرًا في لون الدم
حرفًا في شكل القيد
وفكرًا لا يشبه إلا الخوض

بأشياء الأنثى في غيبتها

 

لن تكفياه مساحات الإعمار

والأعمَار لكي تفهم أو نفهم أنثى
أو تختصر الأنثى في

جملة شعرٍ عبثي اللحن

 

فيه بقايا ما سرق الشعراء

من اللغةِ الوسطى

 

أنظر في كل جهات الحلم

وحدد رؤيتك من الجهة الأخرى

تلك المجهولة

 

خلف جهات الكون الأربع

حاول أن تعبر

في الجهةِ الخامسةِ الآن

 

وتعلم كيف يجوز لنصل السيف

النوم على خاصرة الموت بلا طعنٍ

 

والعيش على ناصية حياة بلا رعشة حلم

يا امرأة هزي رجلاً

لا يفقه في أمر الفرحِ كثيرًا

 

وإذا ما داهمه الحب تخلى عن فطنتهِ

وتعلق في الليل

 

بخصلةِ شِعر

يا سيدتي

 

من يرغب في الحلم الأمثل

مجبور أن يبقى مغمور

 

حتى ناصية الشوق بلحظة تيه

من يرغب فيك

عليه النوم على الحرف

 

وأن يتغلغل أكثر في حد الخوف

وأن يجرأ ملئ العين

بما في الأعين من التحديق

 

وملئ القلب

وما في القلب من النبض
لتكتمل الدائرة الأولى
في حقل الحسن الأول
كي يفهم أن الحزن

هو الحرف الأول في دائرة الحب

 

يا سيدتي يكفي بعثرةً فارتسمي

أغنية في وتري

 

وقفي في حضرة شوقي ذات مساءٍ

واستبقي ترتيب تفاصيل الأشياء

وخلط الألوان وبعثرة الورد وقولي

ما أجمل أن يهطل ورد الأحلام علينا

 

دون طقوس إذن لا صوت للظلِ أبداً  

وفي مشاركته قرأ الشاعر امير السماوي نصين وقصيدة تألقت فيهم الصورة الشعرية المعبرة عن المعاني التي أراد ايصالها مما يُسمى بالشعر العامودي حملت عناوين " الغموض المُتطهر ، الحجرُ قبرُ السر " واتسمت تجربته الإبداعية بكونها مُشبعة بالمعاني والرموز التي تعبر عن ثقافة عالية جداً حيث أتقن توظيف الموروث وكافة فنيات القصيدة سواء من جهة الأصالة و من جهة الحداثة . كما عَمِدَ كثيراً إلى " الأنسنة "مما يدل على رهافة ذاته الشاعرة وحَضر في المُعادل لحالة التخييل أفكار طرقتها الثيمات الكبرى للميثولوجيا كالقول مثلاً بعظمة الأنثى وبأن الطبيعة أنثى وربط الخضوبة والعطاء والحاضنة الإنسانية عموماً بالأنثى . ولكن الشاعر فتح آفاقاً جديدة وفق رؤيته وتجربته الإنسانية لتلك الثيمات. وقد اتسمت "مقولة" نصوصه على صعيد المعنى بتلمّس المعاني والمسائل الوجودية الكبرى وكأنه يريد قول كل شيء في قصيدة واحدة ، وجاءت "مقولة" القصيدة لديه في لبوس فلسفي حيناً وحيناً في مَلمح صوفي ، وقد يحسب المستمع للوهلة الأولى أنه أمام قصيدة لم تنسجم جميع مكوناتها على سبيل التضايف والتعزيز لمقولة القصيدة وأن القصيدة تفتقد إلى الوحدة العضوية ، ولكن قراءة القصائد أو تكرار الاستماع إليها يُزيل ذلك اللبس مما يجعل قصائده أقرب لكونها "لا منبرية" بمعنى يجب تلقيها بالقراءة المتأملة للإحاطة بما فيها من إشارات ومعانٍ .

ومن التعابير الإبداعية المميزة نذكر قوله: " لسان النار مغمورٌ بكحل الهذيان " / " هذا جرح القناع على وجوهٍ تتصافى " / " بيارقُ من حنينٍ ذابَ في الجَلَدِ ". وأجزاء أخرى بديعة كثيرة من نصوصه لامجال لذكرها في هذه العُجالة.

ومن مشاركة الشاعر أمير السماوي نقتطف:

الغموض المتطهر

 

 

قربان العدل محنة للتبرير
هاقد صحى سؤال عن تمدد الرياح
في الأعذار
من يعيد بكل اقتدار لهفته وجدًا إلى الصورة المحفوفة بالزيغ
هديل الأمواج
عزف سرمدي لضغط انفعال أعماق البحر
والشطآن لَحدُ القارئ الذي كان مهداً لصياد دهشة في غيبوبة المنافي
هذا وداع المكلل
بكلمات تتأخى
هذا جرح القناع على وجوه تتصافى على نعاة الأشداق
انتحر الأجداد منذ أشركوا رأساً رفعوه
وانتحوا جانباً ذلك التاج الذي جاءهم بخطوات القادم
ولكل شيعته في نفاذ الواقع
كي تضح عوراته مسلولةً على كومة من رغبات مسكونة ومزينة

بأوسمة زادتها عريًا

 

بين العينين ثمة دهشة أطلقها جوع القلب إلى المرآة

حيث صورته وهو ينأى في أدغال الوله الخالص
بين العينين
بلاد تمتد مركزاً لتصاعد كل شيء
بلاد في المجال الخارج عن تقويم الهروب
هي الملعب الساحر للنزوة
أو هي الطرف الذي يشد وبإثارة كل من تسول له نفسه كي يتعرى
كما لو أنه الأمل المطوي بجلد ما سيخلق
يهب الأرق المنحوت بإمعان فنان أصيل
هيكلا على قياس قبر ملفوفاً بالخرق التي حاكت العواطف
انساناً حسب وعاء التحول
مستبداً يحتضن زهو الهتاف المعتق
في جذور المتع
ويَعفُّ عن الطموح تحت الشمس ليبقى ماثلا في ظل الاغواء
أيها الضالع بالنيل من علو الفرح
كأنك في خضم اكتشاف لغز الضياع
تستعيد ثمار الحب على عشب المرارة
إنه ملح اثمك في عذوبة الاضطراب
وإنها ابتسامة وجهك مشرقةً على شموخ السحر

حيث المحال مرسومٌ في فيوض الحنين

 

وحيث حرارة الحب القصوى طعم الاحتضار في صميم الجسد

الآن شيء ما قرب ذكرى منسية تحت قناع الاندمال
هجرة أشبه بانتقال الأساطير إلى معنىً أقصر
هجرة من عتمة الأمس المترامي على نغم الزوال
هجرة الحشد المرمي بعيداً في راحتي شر الحياة
حاملاً زوادته المصقولة في ساحة غزيرة الجراح
وفي قاعة القضاء الذي لا ينصف
إحساسٌ يحط على زبد الأمواج
في حضورها العكر فوق الزرقة
لمراوغة الامتلاك او في صخب الافتقار إلى جدوى
هكذا من سعي الغموض إلى التطهر

تمَّ كشفٌ أعجبُ من نشيدِ الانعتاق.

كما تضمنت الفعالية مشاركات لكلٍّ من : الشاعر هاني درويش الذي قرأ مقطعاً مُعبِّراً من قصيدة للشاعر مظفر النواب عقبه مشاركة مزيد الشعراني الذي قرأ نصّاً عبر فيه عن عاطفته الوطنية الفياضة بأسلوب يقارب السجع  ، تَلاه كوثر دحدل التي أخطأت بقواعد اللغة رغم تقديمها كعضو قيادة اتحاد الصحفيين في دمشق ! وجاءت معظم المشاركات بمواضيع تعبير كالتي تُكتب في المراحل الابتدائية لكن العجيب أن كتابها كانوا راشدين وبعضهم ممن تجاوز الأربعين ، والأعجب أنهم يحسبونها أدباً يليق بمجالس الكِبار ، والأعجب من العجيب الأخطاء اللغوية لدى معظمهم ، بينما كانت اللغة سليمة لدى من تم تقديمهم تحت بند " المواهب الشابة " . وقد أثار الباحث بكور عروب في مداخلة له فكرة أن هناك نص صغير ونص كبير وليس كاتب شاب وكاتب متقدم في السن بمعنى أن هناك نص له فضاؤه الواسع ومفاعيله وعمقه الناتج عن الثقافة الثرّة لصاحبه .

وبالطبع ليس ذنب إدارة الملتقى أن هناك من بلغ من العمر والتجربة مراحلة متقدمة ولكنه لم يستطع التعبير عنها إبداعياً بشكلٍ لائق ، بل يُحتسب للمُلتقى فتحه الباب للبحث عن مواهب جادة جديدة في نطاق سعيه لكسر حالة التكرار لأسماء بعينها والابتعاد عن الشلليّة. ويؤخذ على الملتقى حرمان المشاركين من غير الموهوبين من تَبين ضعفهم اللغوي والفكري الإبداعي من خلال المسارعة إلى تبني رأي ، قطع الطريق على النقاد والأدباء ذوي الباع والخبرة الذين يدلون بدلوهم عادة ، لنكون في مجلس يتحدث فيه أقل الناس ثقافة ويُحرم أكثرهم ثقافة من الحديث والإفادة بذريعة الوقت أو ما شابه ، وهذا أمر عجيب ، منافٍ للفعل التنويري والثقافي . حيث سارعت مديرة المركز ليلا صعب إلى قبول اقتراح ارجاء النقد إلى " السوشل ميديا " رغم معرفتها بحال الكهرباء.

ومن النصوص الجيدة المبشرة ، نص ميساء سيفو بعنوان " امرأة من نور" ومن المحطات التي أثرت الملتقى ، محطة الشعر النبطي ، حيث أكدت مدير المركز الأستاذة ليلى صعب أن الشعر النبطي ليس شعراً عامياً بل هو جزء من التراث وهو خزان يوثق للبطولات الوطنية التاريخية ولشعرٍ له دوره الاجتماعي الهام . استضاف الملتقى الشيخ الشاعر خالد الأسعد الذي تنوعت موضوعات قصائده لتشمل قيماً اجتماعية وعلاقة الإنسان بالآخر سواء كان من الأهل أو الأصدقاء أو أبناء الوطن أو حبيبة. واتسمت قصائد الشاعر الأسعد بالموسَقة العالية التي عززها إلقاؤه المُعبر عن مدى تواشجه مع القيم الإنسانية الأصيلة والكلمة الطيبة ، وبرغم أنه تناول معانٍ عميقة لقيم التعايش إلا أنها جاءت منسابة بعذوبة بطريقة جعلتها قريبة من القلب ولفتت النظر أنها من فطرة وبداهة النفس البشرية النقية التي لم تلوثها العلاقات النفعية والنظرة المادية التي تطفو في مجتمع المدينة.

ومن المواهب الشابة التي لم تقدم موضوع تعبير ، والجديرة بالتوقف عندها ، قصيدة الشاعر أحمد بشار الكردي والذي اختار كالعادة موضوع وجداني " غزل " وجاءت قصيدته رغم سلامة أوزانها وجرسها الجميل لا تحمل جديداً بمعنى أنها تتبنى النظرة النمطية والتناول النمطي للشعراء العرب للأنثى ، فلم نعرف شيئاً عن شخصية الفتاة التي تمتدحها القصيدة ولماذا هي تستحق الحب والمديح ، لم نعرف شيئاً عن جوهر تلك الشخصية بل اكتفت القصيدة بتناول المظهر وفرط تعلق الشاعر بها ! أي أن الشاعر عبَّرَ عن حراك هرموناته تجاه فتاة جميلة وعن تعلق عجيب بها ، أي عن تعلق غريزي وليس عن الحُب المُستحق لخصائص أخلاقية ونفسية في شخص المحبوبة ، مما يوحي أن الشاعر اتباعي لأكثر الشعراء القدامى سطحية في تناول الحبيبة ، ومنسلخ عن زمانه وواقعه الذي أصبح فيه تواصل بأشكالٍ عدة يُتيح التعرف إلى جوهر شخصية المحبوبة ، وتطورت فيه شخصية المرأة لتكون أكثر من مُجرّد جسد جميل. ونحت فيه الآداب عموماً إلى الخوض في أعماق النفس البشرية .. مما جعل قصيدته تُقزّم الحُب إلى منحى الانجذاب إلى المظهر فقط وأن التعلق والتضحية من قِبل الحبيب محورها هذا الانجذاب فقط !

وقدمت غفران شاكر بدورها موضوع تعبير حو الشهادة ولواعج أم الشهيد ، قرأته بطريقة معبرة عن صدق ونبل مشاعرها. ومن المشاركات الشابة بمواضيع تعبير بمستوى المرحلة الابتدائية نذكر مشاركة الشاب جلال علي.

كما قدم الأستاذ الباحث نبيل طرابلسي معلومات متنوعة عن سورية معظمها معلومات تاريخية بيَّنَ من خلالها التجربة الحضارية السورية في المجالات الزراعية والمكانة بين الأمم والحالة السياسية ، مما جعل المستمعين يشعرون بالحسرة لما آلت إليه سورية اليوم من أحوال بسبب العدوان العسكري والاقتصادي الغربي وبسبب هيمنة القوى الرأسمالية السورية الانتهازية عليها واستنزافها بسبب كل ما سبق ذكره.

ولعل واحدة من محطات بيدر النجوم اللافتة ، تناول إبداعات واسهامات الموسيقي السوري المبدع عبد السلام سفر . وحول هذه المحطة قالت مديرة المركز الثقافي في الميدان الأستاذة ليلى صعب : " تهدف هذه المحطة الثابتة في ملتقى بيدر النجوم إلى التعريف بمختلف رموز الثقافة السورية في مختلف الفضاءات الإبداعية ".

ومما تمَّ عرضه عن مسيرة المبدع الراحل عبد السلام سفر نقتطف:

أحدث في نهاية الناي ثقباً أتاح نغماتٍ جديدة.

طور زند العودة مُختزلاً عدد الريش التي كانت ثلاثاً وثلاثين ريشة.

عمِلَ رئيساً لفرقة إذاعة السعودية..

تعلم العزف على يد حلاق عزف خمس سنوات ثم كسر والده الناي لأنه يريد لابنه أن يصبح فلاحاً . لكنه كان يذهب إلى الحلاق ويأخذ ناياً جديداً ، ثم التحق بالمعهد الموسيقي الشرقي " معهد فخري البارودي " .

من إبداعاته: أوبريت أرض الوطن ، شهريار ، وردة . ومن معزوفاته وألحانه نذكر : تنهيدة وداع ، غروب ، الأمل ، الغريب ، يا طيرة طيري يا حمامة.

وقد تخلل الفعالية استماعٌ لبعض ألحان المبدع عبد السلام سَفر.