دمشق ... بقلم إسراء أبو عجينة

2021-06-27 17:01:00

عيون دمشق -  بقلم إسراء أبو عجينة

أعيش في دمشق منذ خمس سنوات مدة ليست بكبيرة ولكنها كانت كافية بجعلي أحفظها بقلبي .. لا أقصد شوارعها ولا محالها ولا عباراتها الفذة على الجدران ولا إعلانات مطهر أولاد الصفوري المطبوعة على كل حائط فيها حتى إنها مطبوعة على باب مقبرة حيّنا تحسّباً إذا تزواج الأموات ليلاً فكما تعرفون الموت في دمشق كان عادةً ليست بيومية بل ساعيّة والتكاثر ليس فقط بالإنجاب وإنما بالموت أيضاً !
للولادة قابلة وللموت قابلة أيضاً تزورنا كلّ يوم تفتش عن الأولاد وعن الشبان المراهقين والعجائز تفتش عمن يكرهونها فتأخذهم إلى مكانٍ مجهول .. وتترك أفئدتنا تتلوّع في غيابهم ..
مسكونة بالأشباح تلك الزوايا التي ترى فيها بؤس الناس جريئاً كأنه يوجه لك اتهاماً واضحاً بأنك السبب .. في الحقيقة كلنا كنا وسنبقى سبباً في ذلك الحزن والأسى! 
أما عن المدة التي مكثت فيها في دمشق جعلتني كائناً بنصفٍ واحدٍ ، فكما تعلمون أنّ استنزاف الشيء كلّ يوم يهلكه فيموت وهذه المدينة استنزفتني بشكل غريب ، غريبٌ لأن لا ذنب لها بكل ما حصل لي لم تكن مسؤولة عما آلت إليه الأمور معي كانت أحداثٌ مرتبة بشكل عشوائي جعلت كلّاً منا بنصف .. بنصف قلب وبنصف عقل بنصف راحة ، بعينٍ واحدة وإذا كنت بعينين فأنت بنصف نظر .. 
هذه هي المدينة التي جعلت من نصفي اللطيف نصفاً مهترئاً غير قابل للاستخدام .. استُنزِفت بشكلٍ موحش حتى وجهي أصبح شاحباً تضامناً مع كل محتويات المدينة .. نحن لسنا بخير وهذه المدينة وإن كانت تستحق لقب المدينة فهي مدينة لك بنصفك الذي فقدته منذ بداية إقامتك فيها ! 
غريبة جداً جداً وكئيبة تجعلك تعشقُها بكلّ ما فيها وإن غادرتها ستعود إليها حتماً باحثاً عن نصفك الذي سُرق منك على حين غرّة  !