الشاعر جمال المصري: " لا تستطيع أن تمسك الشعر في تعريف لأنك إن قبضت على الشعر فإنك ستميته "

2021-06-05 18:39:00

عيون دمشق -  محمد نذير جبر / تصوير محي الدين كاظم

 

جلسة حوارية أدارها وأعدَّ لها الشاعر والصحفي صبحي سعيد استضافت الشاعر المهندس جمال المصري في فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب وسط حضورٍ لأبرز الكتاب والشعراء من فئة الشباب ولكوكبةٍ من الشعراء والكتاب أعضاء الاتحاد.

حَفِلت الجلسة بحديثٍ شائقٍ بانورامي في أبعاده ، تناول مسألة الإبداع الشعري ووظيفة الشعر الاجتماعية ومسائل أخرى عدّة ، عَقبه حوارٌ مع الشاعر المهندس جمال المصري ، وفيما يلي جزءٌ من حديث الشاعر المصري الثري والشائق..

 

 
- ماهي أهمية الشعر في الحياة والثقافة والإبداع؟
 
من أهم الأسئلة التي تطرح هل للشعر وظيفة في المجتمع وماهي .

 

أولًا تعريفات الشعر حتى الآن تبدو غير مُجدية.. أي الشعر مصدر نور تحس بدفئه لكنك لا تستطيع أن تمسكه في تعريف لأنك إن قبضت على الشعر فإنك ستميته ، فالشعر طيرٌ حُر ، والكثير من الخلافات نتجت حول دور الشعر في تنوير الناس.
أثبت تاريخيًا عن العرب وغيرهم أن الشعر ديوان العرب ومخازن الحكمة ومستودع العلوم و و...ألخ
نرى أن في كل مرحلة تاريخية كان الشعر يأخذ دور سواء في تعميق مفاهيم وطنية عند الناس.. البداية بتحديد المسألة بالمعنى الوظيفي للشعر بأخلاقياته هو مع التفكير الإسلامي.
وطلب النبي أن يوجه الشعر إلى ناحية ما لها علاقات أخلاقية معينة متعلقة بما يطرح خارج عنهم.. لكنه لم يقل أن الأخر ليس شاعرًا . قال بأن حامل لواء الشعراء إلى جهنم هو امرؤ القيس لكنه لم يقل بأنه ليس شاعر. فهو شاعر سواء أراد أن يتبع الأخلاق أو من لم يتبعه . كل فرد يحاول أن يروج للثقافة التي يريدها سواء كان نبي أو غير ذلك ، يريد أن يروج لثقافته أي يريد شاعر لأن هذا السحر الموجود في الشعر من جمال اللغة والإيحاءات تجعل الشعر أثيراً إلى النفوس
لذلك إذا أردنا أن نأخذ تعريفات الشعر من الذين حاولوا تعريفه سنجد طرفين إما أكاديميين وعرفوه بشكل سطحي جدًا للأسف هذا التعريف بقي لفترات قديمة.
قدامة بن جعفر يقول أن الشعر هو الكلام الموزون المُقفى الذي له معنى.
هذا لا من قريب ولا من بعيد سوى بالمأخذ الموسيقي .
رغم أنه يحكي من خلال كتاباته الشعر يتحدث عن العواطف وعن الخيال وعن وعن.... ولكن يُعرِّفُ الشعر بهذه الطريقة. وهذا ليس تعريفًا جامعًا وعالمًا بالشعر.
جبران خليل جبران ينتقل لمرحلة أخرى ، يقول: الشعر هو منهل النفوس العطشى وهو في نفس الوقت مَلَك أرسله الله من أجل أن يعلم الإنسان الإلهيات
إيميلي داكنسون تقول: أن الشعر هو كتاب إذا قرأته لا أجد رأسي فوق عنقي.
نلاحظ أن كل هذه التعريفات لا علاقة لها بجوهر الشعر حقيقةً ولكن البشرية منذ الأساطير السومرية إلى الآن تحفظ الشعر وتحبه ، ربما لأن فيه هذا العنصر الساحر من المخيلة ، هذا الخيال الجميل.
يقول الجرجاني: أن الإنسان يسعى لتصديق المتخيل أكثر مما يسعى لتصديق الحقيقة.
هناك الكثيرين من الناس يؤمنوا بالخيال حتى عندما قيل أن أجمل الشعر أكذبه الكذب هنا ليس معناه المضاد للصدق ولكن المراد هو هذه المخيلة الواسعة التي يمتلكها الشاعر حتى يصل إلى مرحلة ما ويتغلغل في نفوس الناس من خلال المتخيلة التي يمتلكها الشاعر وليس في الإيقاع فقط.
يرد شوقي نفس المفهوم : " والشعر إن لم يكون ذكرى وعاطفة أو حكمة فهو تقطيع وأوزان"
يرد عليه إيليا أبو ماضي:

 

 
لستَ مني إن حَسِبتَ الشعرَ ألفاظًاً وَوَزنا
هذه أصداءُ روحي فلتكن روحكَ أُذنا
إن بعض القولِ فنٌ فاجعل الإصغاء فَنّا

 

 
من الوظائف الثانية التي يقوم بها الشاعر الذي يحمل رسالة مثل محي الدين ابن عربي الذي يحمل رسالة المحبة ومهم جدً طرحه الآن.. يقول:

 

 

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلًا كل صُورةٍ
فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
وألواح توراة ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ
ركائبهُ ، فالحبُّ ديني وإيماني

 

 
هذه الرسالة هي رسالة كونية إنسانية يطرحها الشاعر .. وإذا كان الطغاة يكتبون جزء من التاريخ فالشعراء يؤدون الرسالة ويكتبون وتتواصل.
يعود جبران للتذكير بالمحبة التي تحدث عنها محي الدين بن عربي: "إذا المحبة أشارت إليكم فاتبعوها".
ويتحدث عن الجانب الآخر في ديمقراطية رؤيا الأخر في كتابه "المواكب" ، يقول: ليس في الغابات عدل لا ولا فيها العقار .. فإذا الصفصاف ألقى ظله فوق التراب لا يقول السرو هذه بدعة ضد الكتاب.
تتواصل رسالة الشعراء بحب الإنسانية والانفتاح إلى أن تصل عند محمود درويش.. يقول درويش: "كل قلوب الناس جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر".
نرى القول الشعري كيف انتقل من مكان إلى مكان حسب ظروفه واستراطاته التاريخية . درويش لم يناقش البُعد الديني "أنا مع الجميع إذا كان متسامحاً وإنسانياً " طرح البعد الأكثر شمولية.
 
- ما رأيك بقصيدة النثر ؟ وكيف كانت بداياتك ؟
 
ستكون الإجابة عند حسان بن ثابت وهو شاعر وله مكانته..  لدينا نقاد يقرأون بعض الكلام عند الأجانب .
قال الناقد والشاعر الإنكليزي ويليام وردزورث: أن الشعر هو عبارة عن فيض النفس بالمشاعر الجياشة في عام ١٨٥٠.
الجاحظ عام ١٧٥٠ : إن الشعر ما تجيش به النفوس وتلفظه على أجسامنا.
ويقول حسان:

إنما الشعر لُبُّ المرء يعرضهُ .. على المَجاِلس إن كَيَسًا وإن حُمُقا.. وَإِنَّ أَشــعَــرَ بَــيــتٍ أَنــتَ قــائِلُهُ.. بَـيـتٌ يُـقـالَ إِذا أَنـشَـدتَهُ صَـدَقـا.

 

من الحقيقة التاريخية أن بين القولين مئة عام فأحقية القول للأول.
كما قال ابن خلدون: المغلوب يتبع الغالب حتى في مأكله وملبسه فيشكك بكل ما عنده من معطيات.
أنا رجل لا أشكك بما لدينا من معطيات لدينا معطيات ليست مكتملة مشروع الحياة والتجدد دائم.. هناك ما أعاقنا عن التجديد وتلك الأشياء التي أعاقتنا معروفة بأشكال متعددة . لديهم معطيات زادت عن معطياتنا فليكن ولكن لا ننسف أنفسنا .. إذا كان لدينا شيء ولديهم شيء لا أرى حالي ممسوحًا . لدي معطيات ويجب أن أجمعها .

 

 
نحن في صراع مع الهوية

 

 
يمكن أحد أسباب فشل قصيدة النثر أو القائمين عليه يوسف الخال وأدونيس في البداية عام ١٩٥٧ كانت عملية المجانية التي طروحها.
المجانية أي انا لا علاقة لي لا بالتاريخ ولا بالجغرافية ولا بأي شيء.
فشِلَتْ أول مرة ، وفي عام ١٩٦٧ أعادوا وأخرجوا مجلة شعر أخفقت مجددًا
أنا مهدد كوجود بشري بأكبر هزيمة عانى منها الوطن العربي والإنسان العربي
هنا يأتي ارتباط الشعر بالحياة وضرورة ارتباطه بها.
من غير المعقول أن يكون لقاء مع شاعر ولا يتحدث عن وجهة نظره شعريًا
لاشك أن النقد في البداية بدأ مع الشعراء ومن ثم تحول إلى مدارس نقدية
وصارت عملية الإبداع متألفة من ثلاث:
مبدع ومتفاعل وناقد يشكل صلة الوصل بين المبدع والمُتفاعل.
فأنا حاولت من خلال تجربتي أن أصوغ رؤيتي حول الشعر وتكويناته والحداثة و وظيفة الشعر من خلال نص بعنوان دِفاعًا عنِ الشِّعْر:
 

 

أراهُ أمامِي ساحِرًا يتكلَّمُ
فماذا يريدُ الشِّعْرُ مِنِّي ومِنْكُمُ
أتعويضُ نقصٍ أمْ سبيلُ غوايةٍ
أمِ الشِّعرُ أرقى في النُّفوسِ وأعظمُ
يجيءُ انفعالاً دونَ سابقِ موعدٍ
فيبني قصورًا في الخيالِ ويهدِمُ
وكمْ من حِوارٍ دارَ بيني وبينهُ
وما باحَ لي كيفَ القصيدةُ تُنظمُ
أنا معْ جديدٍ لو بكامِلِ نثرِهِ
وكمْ منْ جديدٍ يُستباحُ فيُظلمُ
فما النثرُ تلفيقٌ ولعبةُ جاهلٍ
ولا الوزنُ تأسيسٌ ولا هُو مُقحَمُ
على أنَّهُ لي ما أحبُّ وإنَّني
أرى الطيرَ أحلى عندما يترنَّمُ
تعلَّمتُ منهُ ما يليقُ بشيبتي
كذا الشِّعرُ عندي طالبٌ ومُعلِّمُ
يجيئكُ حلمًا قدْ يفسِّرُ بعضَهُ
وقد تقتفي حلْمًا وحلمُكَ مُبْهَمُ
فما كلُّ شعرٍ في الحقيقةِ واضِحٌ
ففي الشِّعرِ شِعرٌ بالمشاعرِ يُفهَمُ
كزائرِ بيتٍ فيهِ ذكرى حبيبةٍ
يطوفُ اشتياقا والسَّتائرُ تلطِمُ
فيبكي حنينا لا يترْجَمُ سرُّهُ
وهلْ منْ حنينٍ بالكلامِ يُترْجَمُ
فيا قيسُ قلْ لي ما حقيقةُ حبِّنا
وحَقًا نرى أمْ أنَّنا نتوهَّمُ
هوَ الحبُّ يأتي في البدايةِ مُفْرِحًا
وبالحزن دومًا في النِّهايةِ يُختمُ
ولا حَلَّ يُرجى في الهوى وشؤونِهِ
فإنْ ذقتَهُ أمْ لمْ تذقْهُ ستندَمُ
أرى الشِّعرَ يروي ما يجولُ بخاطري
فماذا يقولُ الشِّعرُ حينَ يُتمتِمُ
كأنَّ الحياةَ المُشتهاةَ أمامَنا
وليستْ بأمْسٍ أنتَ فيهِ مُتيَّمُ
أساطيرُ تُروى لا حقائقَ عندنا
ومَنْ شَكَّ فيها سوفَ يُشْوى ويُرْجَمُ
تماديتَ قتلا باسْمِ كلِّ ديانةٍ
وما الدِّينُ قتلٌ بلْ خيالُكَ مُجْرِمُ
إلى أينَ تمضي بالذينَ تحبُّهُمْ
إذا ما تساوتْ جنَّةٌ وجهنَّمُ
أنا عندما أدركتُ سرَّ حقيقتي
على كلِّ شيءٍ إنْ مَرَرْتُ أسَلِّمُ
فلِي جَسَدٌ فيهِ وظائفُ عِدَّةٌ
وفيهِ مِنَ الأشكالِ ما ليسَ يُعْلَمُ
فلا الأذنُ تلغِي ما أراهُ بأعيني
ولا أعيني فيما أرى تتحكَّمُ
فيا ليتَ أنَّا ما حَكمْنا ضلالةً
ويا ليتنا منْ جِسْمنا نتعلَّمُ
تلالٌ منَ الأموالِ نُدفَنُ تحتها
وفينا كثيرٌ بالمجاعَةِ يُعدَمُ
نُوَزِّعُ مَوتًا دونَ أيِّ مُقابلٍ
وتزدادُ سِعْرًا في المصارِفِ أسْهُمُ
فأيُّ بلادٍ تستحقُّ محبَّةً
إذا كنتَ فيها عنْ كلامِكِ تُفطَمُ
خرابٌ على أرضٍ ستأكلُ أهْلَهَا
وما جدَّ شيءٌ والمَصِيرُ مُحتَّمُ
فيا ربَّنا قلها بكلِّ صراحةٍ
أمنْ أجلِنا هذا الوجودُ مُصَمَّمُ
تعالَوا لنغفو في حديقةِ شاعرٍ
يموتُ اشتياقًا رَغْمَ ذلكَ يحْلُمُ
فكمْ منْ مَقالٍ فيهِ ألفُ حقيقةٍ
ولو قيلَ شعرًا لا يشيبُ ويهرَمُ
على ألَمٍ ينوي ابتداءَ قصيدةٍ
وحتَّى إذا منها انتهى يتألَّمُ
هي الرُّوْحُ تمسي في القصائدِ بصْمَةً
وما كنتُ ممنْ بالأصابعِ يبصِمُ
أراه أمامي ساحرًا يتكلَّمُ
فماذا يريدُ الشِّعرُ منِّي ومِنكمُ.

 

لكل فنٍّ مصاعب

 

 
 
لكل فن مصاعب بالإطلاق لا أستطيع أن أقول أن كاتب الرواية أسهل من كاتب القصة القصيرة .
لكل فن مجموعة من المصاعب والمواهب التي تعطي هذا الفن حقه. المتعدي على فن من الفنون فهذا متعدي ، وفي كل زمن كان هناك كثر من يكتبون الشعر لكن الشعراء قلة.. حتى إذا عدنا لعصر المتنبي كان يقول:

 

 
أفي كل يوم تحتَ ضِبْني شُويعرٌ
ضعيف يُقاويني قصيرٌ يطاولُ

 

 
وفي كل مرة يقال الشعراء فعلٌ من أربعة:

 

 
شاعر يجري ولا يُجرى معه
وشاعر ينشد في المَعمه
وشاعر من حقه أن تسمعه
وشاعر لا تستحي أن تصفعه

 

 
 
فهناك مُدّعٍ في كل فنٍّ من الفنون ولكن الموهوب موهوب.
مسألة حفظ القصيدة مسألة ضرورية.. علاقة الموسيقى بالشعر أو الإصرار على الموسيقى حتى الآن. النحو العربي كتبه ابن مالك على شكل ارجوزات من أجل تسهيل الحفظ : "وأستعين الله في ألفية مقاصد النحو فيها محمية"
الموسيقى عنصر جميل جدًا وهي من العناصر المسهلة والمحفزة للحفظ.. هذا الإيقاع يسهل على الحفظ ، وبالتالي كان حفظ الشعر القديم أسهل ثم يقول الأمدي في الموازنة بين أبو تمام والبحتري يصر على وجود البيت الشارد في القصيدة بمعنى البيت الذي يحوي حكمة.
فكان يصر الشعراء على إيجاد بيت مصنوع جدًا وسهل الحفظ . نرى أن كل الأبيات سهلة الحفظ كلماتها سهلة متسلسلة من الروح وفيها حكمة متكررة من التاريخ والحياة فلذلك سهلة الحفظ.

 

 
إلغاء الموسيقى

 

 

ودرج هذا في أوربا أيضًا ، لكن مازال هناك مَن يصرون على كون الشعر موسيقى كفيرلان ، وبذات الوقت كان رامبو على سبيل المثال لا يريد موسيقى
وبصراحة الآن إذا بحثتم في باريس عن رامبو لا تجدونه في المكتبات
لكن تجدون هيفو وفيرلان.
لأنهم اختاروا جزء صعب الحفظ وبالتالي هذه الصعوبة في الحفظ ألغت أدوار أساسية في الشعر.. الشعر كالضوء يجب أن ينتشر لأنه يتعامل باللغة التي نتحادث بها لا يتعامل بمعادلات رياضية فيفترض أن يصل إلى أكبر مجموعة من البشر .
عندما يكون محصور بمجموعة معينة فلا يغنى. القصيدة عندما تغنى تنتشر للملايين.

 

نهاية الجزء الأول من الحوار .. يتبع