مدفع السلام... بقلم الباحثة د. نجلاء الخضراء

2021-05-06 19:22:00

عيون دمشق - بقلم الباحثة د. نجلاء الخضراء

يستقبل أهل دمشق العيد كما يستقبلون شهر رمضان بالزينات والأنوار فتتألق الأسواق القديمة وتزدان أزقتها وحواريها وشوارعها بالزينات والرايات والأعلام وتنتشر عبارات التهنئة بالعيد على أبواب المنازل والحوانيت منتظرين نبأ اثبات رؤية الهلال، فإذا ثبت تتعالى أصوات المساجد بالابتهالات والذكر وتضرب المدافع ويقبل الناس على بعضهم للتهنئة والمباركة.

يتم اثبات رؤية هلال العيد بأسس علمية واجتماع سنوي لقضاة وعلماء ووجهاء المسجد الأموي خلال الساعات التي يتوقع فيها ظهور الهلال، وكان لكل مدينة في الشام مجلس مماثل على اتصال مباشر لمجلس مدينة دمشق الذي أصبح ينعقد في المحكمة الشرعية حتى ساعة متأخرة من الليل بانتظار من يثبت مولد الهلال من حيث (موقعه، شكله، حجمه، اتجاهه، ومكان المشاهدة ووقتها)[1]. وكان الأهالي يشاركون في الاستهلال فيخرجون في يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان إلى الأماكن المرتفعة في دمشق كجبل قاسيون أو ضواحيها، وقد يتفق مجموعة من أهالي الحي الواحد مبكرا على الخروج سويا وحين تثبت رؤية الهلال يذهب من رآه إلى الجامع الأموي حيث يجتمع علماء دمشق وينتظرون نتائج الاستهلال وشهادة الشهود ليطمئنوا لثبوت الرؤية، فإن توافق ذلك مع الميقات والشكل الفلكي للهلال يجري التشاور في المجلس ويتم اثبات رؤية الهلال بالاتفاق ويعلن انتهاء شهر رمضان وبداية شهر شوال بضرب المدافع واطلاق القذائف الصوتية[2]، فتفتح المساجد  وتتعالى أصوات التكبيرات (الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا ... ) وتجهز بيوت الله لصلاة العيد صباح اليوم التالي.

مدفع رمضان هو قذيقة تستخدم للإعلان عن موعد الإفطار والامساك واخبار العامة من الناس عن هذا الموعد. وهو تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية إذ تقوم السلطة المختصة في المدينة أو القرية بإطلاق قذيفة مدفعية لحظة موعد الافطار عند مغيب الشمس معلنة انتهاء صيام اليوم والبدء بتناول الطعام.

يروي الباحثون والمؤرخون قصة لطيفة لأول مدفع ضرب في مدينة دمشق كان ذلك عام 1742م حيث نصب المدفع في قلعة دمشق في ذلك العام لم يظهر الهلال في دمشق ولم يراه أهلها وثبت ظهوره في مدينة أخرى وحين وصل الخبر إلى والي دمشق أسعد باشا العظم متأخرا أمر بنصب المدفع فوق القلعة في وسط دمشق وأطلقت القذائف في منتصف الليل فخرج أهالي المدينة من منازلهم لمعرفة ما يجري وحين علموا أن غدا سيكون غرة الشهر الكريم قام بائعوا الحلويات والفول بفتح دكاكينهم، ودبّ النشاط في أرجاء المدينة فكانت ليلة مشهودة ومنذ ذلك الحين أصبحت طلقات المدفع تستخدم في الإبلاغ عن اثبات رؤية الهلال سواء كان هلال رمضان أو هلال العيد وإعلان وقت الإفطار في كل يوم من أيام شهر رمضان. أبان الانتداب وعندما تحولت قلعة دمشق ثكنة لإحدى الفرق العسكرية تم نقل المدفع إلى هضبة قبة السيار المشرفة على ربوة دمشق، وبعد اتساع المدينة عبر السنين لم يعد المدفع الوحيد مؤديا للغرض الذي اتخذ من أجله فنصب المدفع الثاني في القرن 19 بالقرب من باب كيسان أحد أبواب دمشق الشهيرة وأحد الأبواب الإسلامية الأموية الأربعة واستمر المدفعان يعملان رغم اتساع المدينة وتضاعف عدد سكانها[3]. ثم أصبح لكل منطقة مدفعا ينصب في أعلى منطقة بها فقد اعتاد أهل دمشق على سماع صوت طلقات المدفع في آخر ليلة من ليالي رمضان وفي وقت الإفطار أو عند أذان المغرب عبر السنين، وفي خمسينات القرن الماضي تم استبدال مدفع الذخيرة الحية بمدويات صوت (قذائف صوتية) توضع في عدد من حدائق دمشق حيث يتم وضع أسطوانة في أرض الحديقة توضع فيها كمية من البارود ضمن قطعة قماشية ويتم اشعال فتيل مرتبط بها وعندما تشتعل تندفع حشوة البارود عاليا وتنطلق في الجو دون احداث أي ضرر.

وكانت المدافع تنطلق من ثلاث حدائق الأولى من حديقة الجلاء في وسط المدينة على ضفة بردى قرب جسر فكتوريا والثانية من حديقة الأندلس في جنوب المدينة وتغطي جنوب وغرب دمشق والثالثة من حديقة الأرسوزي في المزرعة وتغطي شمال وشرق المدينة[4].

 وكان الأطفال يخرجون من بيوتهم ويراقبون طلقات المدفع تخترق السماء ليعودون جريا إلى بيوتهم يتهيئون لصباح العيد وألعابه وعيدياته ولبسه الجديد وطقوسه المميزة، وكان لضرب المدفع علامات وطرق ثابته فيتم اطلاق احدى وعشرين طلقة عند ثبوت رؤية هلال العيد أو هلال رمضان فيما يتم اطلاق طلقة واحدة عند مغرب كل يوم من أيام شهر رمضان حالما يتم اضاءة القناديل ورفعها فوق منارة المسجد كإشارة لصاحب المدفع وأما عن السحور فيطلق ثلاث طلقات اثنتان قبل السحور والثالثة لإعلان الإمساك.

هكذا كان الدمشقيون يستقبلون عيد الفطر ويودعون الشهر الكريم الذي تربطهم معه علاقات روحية وعشق أزلي يتجدد باستمرار وينتظرونه كل عام بشوق وفرح وكما هو رمضان بأيامه الثلاثين، ضيفا طارئا، فإن عيد الفطر بأيامه الثلاثة، ضيفٌ سريعُ الرحيل...ثلاثة أيام ويعود الزحام والضجيج إلى شوارع المدن الكبرى، وخصوصا دمشق، في إعلان صريح بأن العيد انتهى كما انتهى قبله رمضان، وتختفي وسط الضجيج عبارة «كل عام وأنتم بخير»

 

 


[1] الجكيمي.ناصر، رمضان والتراث الشعبي في سوريا، وكالة أنباء التقريب، 22 أغسطس2010

[2] رمضان في دمشق زمان، الرأي، 28 يونيو2015

[3]  رمضان في دمشق زمان، المرجع السابق

[4] زيتون. جوزيف، مدفع رمضان هذا التقليد الجميل، مدونة د.جوزيف زيتون، 24مايو2018