الملامح العصية في الهوية السورية ....... رسائل سورية بين السجن والعودة

2018-09-27 13:45:00

عيون دمشق - بقلم د.لبنى مرتضى

 

إنَّ المسافةَ بين المنفى الداخلي والخارجي لم تكنْ مرئيّةً تماماً، كانتْ مجازيةً ما دامتْ هذه البلادُ معنىً أكبرَ من مكانها، وفي المنفى الخارجي أدركتُ كم هم قريبون من بعيدٍ معاكسٍ... !، وكم أن هناك كان هنا.... ! ولم يعدْ أيُّ شيءٍ شخصيٍّ من فرْطِ ما يحيلُ للعالم. ولم يعدْ أيُّ شيءٍ عامّاً منْ فرْطِ ما يمسُّ الشخصي، إنها الرحلةُ الطويلةُ على أكثر من طريق، ستتأزمُ الهويةُ المستعصيةُ على التلخيص، بسجن وعودة، فهنا ستحلُّ اللغةُ محلَّ الواقع، وتبحثُ الكلمةُ عن معناها في مجملِ التجربة، وتصبحُ من أدبِ الإنسانيات التي لا تبردُ نارُها الخاصّةُ المتداخلةُ في مكانةِ الوجود. قد أُتيحَ لي بعد ما ينوفُ عن الثماني سنوات، أنْ أرى جزءاً مغْفَلاً من طريقٍ يسامرُ نخيلاً حارّاً ودبابةً تذكاريةً، فمشاعري كانتْ مرتبةً بعقلانيةٍ باردةٍ حينا، ولهباً لخبرةِ منْ يعرفُ الفارقَ بينَ الطريقِ و الهدفِ حيناً آخر. فتحقيقُ الولادةِ في ذروةِ الموتِ كما انسلاخ الأسطورةِ عن الواقعِ الأمّ. فالواقعُ يحتاجُ إلى مزيدٍ من التوازنِ الصّعبِ بين منفى لابدَّ منه وموجودٌ حتماً، وبين وطنٍ لابدَّ منه أيضاً. فلا يعرفُ هذا بعكسِ ذاك، ولا ذاكَ بنقيضِ هذا، ففي كلِّ وطنٍ منفى، وفي كلِّ منفى بيتٌ وشعرٌ وقصيدُ عطرٍ... فهناك عقل يحاول خنق الطبيعة، وعقل يساعد الطبيعة على التمدد والتفتح، وعقل يضع للجسد قيودا من حديد، وعقل يترك حريته، وعقل يغير الطبيعة ويشوهها ويزيفها، وعقل يطلق للطبيعة عقالها ويساعدها فوق ذلك على التمرد والتوسع. وليس معنى أن نطلق الطبيعة من عقالها أن نترك للغرائز جمعاء حرية التصرف، بل أن نعين غرائز الخير على الظهور والتفتح وأن نحدد مجال غرائز الشر ونضطرها إلى الضمور والتواري. وثمة حقيقة مؤكدة لابد من ايرادها في هذا المقام المهم بأن السر الأول في تفجير الطاقات الكامنة هو حرية هذا العقل، والسماح له أن يحلق في السماء ناشرا الضوء حتى ولو كان خلف القضبان. هو حالة الانزياح بالحقيقة كنموذج ثابت مجرد من أي زيف  . 
سجن عدرا المركزي، أسلوب عفيف مترفع، غني عن أي تعبير. أي شعور ذلك الذي يملأ أعماقنا ونحن ندخل هذا العالم الغريب الغامض الذي تفتش بين زواياه عن الطالع الوليد، وإن نظرت وتأملت بعين الرضا، فسوف ترى النهايات الماثلة التي تسميت في سبيل تحقيق تلك المنارات المتعطشة للفكر والقيم الهادفة والسامية. فالأرض تتشقق عن أكثر من بذرة، والنباتات الصغيرة تنمو في الظل الريح، دربها الدرب ولو أنه غير ممهد وبدايتها على سطحيتها، وضبابيتها، إعلان عن حياة جديدة، لإشراقات جديدة، وفكر جديد، ورؤى أغنى وأصدق.
لن أحدثكم، لأن لغة أخرى تحاصرني، وتلجّ عليّ أن أقولها، لغة هي نفسها في مجمل اللقاءات الطافرة بأعين راغبة تربطها شيم الأرض المختلفة الألوان والآمال.
بين السجناء كان حديثنا عن أمل نهوض آخر، نجتث منهم رحيقهم الغافي على ورق، كلمات، ألوان، فتات أحلام غافية.
دخلنا سجن عدرا المركزي، نحمل مشروعنا بإقامة فعالية ثقافية تشاركية تحت مسمى( رسائل الحرية) بسجني الرجال والنساء، (فنية_ أدبية) في نوعها، كان في استقبالنا مدير السجن سيادة العميد عبدو كرم _ وسيادة اللواء جاسم حمد مدير إدارة السجون.
فهنا الناس جميعهم كأرجوحة النحل التي تأتي وتذهب وهي محملة بالشهد، تشدها النجوم، ويجذبها التراب، يستحيل فيها الحلم إلى واقع، والواقع إلى حلم، كل ما حولك يشف عن الوجود الأكبر، وتجسد الحياة في أوج حدتها وعنفوانها.
كانت جولتنا تعريفية بماهية هذا السجن إن صح تعبيرنا بتسميته، بل هو مدينة متكاملة فيها استثناء للنظام والاحترام والعمل الجاد، لتحويل أيام الحبس إلى عمل وجهد وإعادة صياغة للإنسان السوي المعافى من أية شوائب، البداية كانت بالمكتبة، المكان المرتب، المنسق، النظيف، الهادئ، يمتلك من الكتب كل ما هو مفيد وقيم ويحمل بين طياته ارشادا وتوجيها وتربية للقيمة الإنسانية العليا.
 وبمرورنا السريع في ممرات السجن استوقفني مشهد بعض السجناء وهم يلعبون كرة القدم داخل أماكن مخصصة لهم، وحين سؤالي لمدير السجن العميد عبدو كرم عنه، قال :
إن هناك أيضا دوريّاً يقام ويحضره بعض الضباط، والسجناء المهتمين بالرياضة، وفي الجانب الآخر قابلنا الطبيب المختص بالعيادات التي تحمل الاختصاصات السنية_ العينية_ الداخلية_ وصيدلية مناوبة تقوم بتأمين أغلبية الأدوية اللازمة للسجناء.
وقد أضاف سيادة العميد أيضا أن النزيل هنا يمتلك حقوقاً في ممارسة هواياته ضمن الإمكانيات المتاحة للسجن، ولديه ساعات لمتابعة بعض القنوات التلفزيونية، حتى إن إدارة السجن تمتلك قناة خاصة بها، تعرض بعض النشاطات القائمة بالسجن، ولديها كادر من النزلاء أنفسهم يعملون بها. ونحن هنا ننظم طعامهم وشرابهم وزياراتهم واتصالاتهم مع ذويهم.
ودخلنا بعدها بعض الورشات للحرف اليدوية، وعند سؤالي بعض النزلاء قالوا :
نخن هنا نقضي معظم الوقت في الصناعات اليدوية منها الخرز والآرابيسك والحفر على الخشب، وذلك بالتعاون مع جمعية خدمة السجون، وهي من يؤمن لنا المواد الأولية والمستلزمات الضرورية لأية قطعة نريد إنجازها.
وأما عن الصفوف التي يتم فيها التدريب ودراسة المعلوماتية وكيفية استخدام الكمبيوتر كان لنا اللقاء مع النزيل سائر حميشة المشرف والمنظم لبرامج الكمبيوتر، وقد شرح لنا كيفية التعامل وإعطاء الدروس للمبتدئين إلى مرحلة إتقان استخدام الكمبيوتر بشكل جيد_ والأهم بالذكر أن هناك صفوفاً أيضا لمحو الأمية، والتأهيل الدراسي لمرحلة القراءة والكتابة بشكل جيد ومن ثم ترفيعهم لتكملة المراحل الدراسية داخل السجن بالاضافة لدورات الخط العربي.
وقد أفادنا سيادة اللواء جاسم حمد بقوله : هذه التجارب التي نسعى لتحقيقها ضمن حياة التعاون والإنسانية، فالنزيل هنا يسقط جرمه عند دخوله، ويعامل كباقي النزلاء، بحقوقه وواجباته، نحن هنا الأوصياء عليهم، هدفنا دائما صياغة الإنسان الإنساني، المتمثل بالأخلاق والمدعم بالفكر الصحيح، نتحاور معهم، نسمعهم، نأخذ باليد العطاء علنا نحقق ما فشل مجتمعهم بتحقيقه.
كان هذا اللقاء في سجن الرجال، الذي تم فيه حشد بعض المواهب المميزة للفعالية من : شعر، وغناء، وعزف، والفنون التشكيلية التي أشرف عليها الفنان التشكيلي الأستاذ رائد خليل ضمن ورشات عمل تقوم على إعطاء بعض التوجيهات الأولية والخطوط الأساسية للقيام برسم لوحات تعبيرية من قبل النزلاء مع توفير بعض الأدوات من خلال إدارة السجن.
وفي حدود هذه الرؤية، نرى هناك فيضا تلقائيا متوثبا ولكنه يبقى ملتزما بالنمط المتاح في شكله العام، فهنا نجد المرأة وهي المعجزة في التنوع والخلق الدائم والتجدد حتى في أصعب المراحل، فهنا ومن سجن النساء، توقف الزمن لحظات ليخبرنا بأن الزنازن ليست سجناً بل هي انبعاث آخر.
المكتبة هنا ترتهن على كتب وأعمال متقنة من الفنون المتنوعة، ومسرح للعرض، شاعرات مناضلات بالحرف، سمتهم السورية شعاراتهم بالصدح والقول وانتشاء الهواء الذي تحول عبر أنفاسهم إلى ألوان العلم السوري.
وفي وقفة مع سيادة العقيد رعد سلامة مدير سجن النساء بادرنا بكلماته...
إننا نسعى هنا لانتزاع سطوة السجن بتحويل كلمة سجينة إلى نزيلة، وتسخير جهودها في العمل واكتساب الخبرات، وتحويل الساعات إلى دقائق تخدم نفسها ومستلزماتها، هي حالة ترويض إنساني للنساء لاسيما وإنهم الأمهات، الأخوات، الصديقات، المربيات، وكون أن الأنثى السورية رمز تاريخي مفعم بالعطاءات، وهنّ أمانة في أعناقنا، حتى خروجهن.
وقد حدثتني النزيلة حلا حاج حسين قائلة:
أقضي وقتي هنا بالمطالعة والقراءة، أستخدم بعض الكتب الموجودة ضمن مكتبة السجن، والبعض الآخر أحضره من خارج السجن بالتعاون مع الإدارة.
وأنا هنا أستغل الوقت بإقامة دورات محو أمية، ودورات لتعليم اللغة الانكليزية والفرنسية، وتنظيم الكتب داخل المكتبة كوني أمينة لها.
وعند سؤالي ما أصعب ما تشعرين به في السجن، أجابت: كل شيئ هنا مؤمن وحياتي أمارسها بتفاصيلها دون حرج، وأنا الآن في نهاية أيام تواجدي بالسجن انتظر الخروج لأساهم بأعمال تطوعية تخدم بلادي ومجتمعي.
وبادرت النزيلة علا مخزومي بقولها نحن نتابع الأخبار المحلية والعالمية عن طريق بعض القنوات السورية التي تبث داخل السجن، وقراءة بعض الصحف المحلية التي تصلنا كل اثنين وأربعاء.
وأضافت بقولها أنا انسجنت لمدة طويلة هنا ولكن هذا لم يمنعني من أن أخرج بمخيلتي خارج نطاق هذه القضبان وأكتب بعض الخواطر  والنصوص الأدبية.
فكما قال الفيلسوف برناردشو: 
المخيلة هي الخطوة الأولى على طريق الإبداع.
دعاء عكرمة محمد التي عاشت لمدة الست سنوات داخل هذه الزنزانة المغلقة تقول:
لدينا هنا كل شيء، حتى المكان يمنحك أن تمارس ما ترغب فيه من هوايات، والأعمال الفنية المتنوعة، وما يميز هذا المكان هنا احترام الآخر بشكل كبير فإننا نشعر وكأننا عائلة متآلفة، فشكري الكبير لإدارة السجن والقائمين عليه.
وفي حوارنا مع النزيلة بدور عبد الحميد سنة ثانية طب أسنان قالت:
بما أنني خسرت كل شيء في الخارج فأنا هنا الآن أحاول استعادة نفسي من خلال تنمية مواهبي في رسم اللوحات التعبيرية، والمشاركة في المعارض التي تقام داخل السجن، فحياتي لم تنته هنا هذا ما علموني إياه القائمين في السجن، أما عن شعوري فهو من الصعب وصفه، لأن السجين يبقى سجيناً..
إن قاعدة النجاح الأولى التي تعلو على أية قاعدة أخرى هي امتلاك الطاقات ومعرفة كيفية تركيز هذه الطاقة وترويضها وتوجيهيها على الأشياء الهامة بدلا من تشتيتها على الأشياء التافهة الغير مجدية.
وفي ختامها كان لنا وقفة مع سيادة اللواء محمد حسن العلي مدير إدارة التوجيه المعنوي حيث كان سؤالنا له : ما سبب دعمك لهذه الفعالية (رسائل الحرية) واهتمامك الكبير لإنجاحها ؟
نحن هنا ومن خلال توجيهات السيد الوزير سيادة اللواء محمد الشعار، كان هدفنا دائما الإضاءة على واقع السجون الحقيقي في سوريا، والدور الرئيسي لوزارة الداخلية لتحويل السجون من دور عقابية إلى دور إصلاحية.
وتضافر جهود المجتمع بشتى أطيافه، بما فيها المجتمع الأهلي، من أجل مساعدة السجناء وإعادة انخراطهم بالمجتمع من جديد وجعلهم أسوياء، وهدفنا الاستثمار الإيجابي للوقت من أجل التخفيف من ظلام السجن، وزراعة بارقة أمل في قلب كل سجين بالعودة إلى مجتمعه وأسرته ووطنه، ليكون لبنة صالحة لبناء هذا المجتمع.