الدكتور الباحث فاروق اسليم... في حوار خاص لعيون دمشق

2021-02-28 18:15:00

عيون دمشق - حوار نبوغ أسعد

الباحث فاروق اسليم يهتم بالأدب العربي العريق وبالهوية والشخصية ليكون الانتماء صحيحا ويوثق  ما يصل  إليه بشكل يكفل مرور ما يكتبه إلى المستقبل ,ويسعى في كثير من كتباته إلى النقد وتوثيقه أيضا .. وكان معه الحوار التالي :

عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب العرب ,ورئيس تحرير مجلة التراث العربي الدكتور فاروق اسليم ...

 1 - ما هو البحث الأدبيّ برأيك؟ وهل يختلف عن البحوث الأخرى؟

          (البحث الأدبيّ) مصطلح يحمل دلالتين: عامّة وخاصّة. أمّا العامّة فتتضمّنها الدلالات اللغويّة لكلمة (البحث)؛ فهي تعني بذل جهد منظم لمعرفة شيء مخبوء أو مجهول بالتفتيش وبالسؤال عنه لإظهاره. وأمّا الخاصّة فتأتي من نعت البحث بانّه أدبيّ، وفي ذلك تحديد لمجاله، وهو الأدب بأنواعه المختلفة، وعصوره المتنوّعة، وفيه تحديد أيضًا للغة، إذ يجب أن تكون جميلة، ولإجراءاته النقديّة المبنية في الغالب على علوم إنسانيّة متباينة، كما أنّ نتائجه علميّة إنسانيّة؛ أعني أنّ علميّتها نسبيّة وليست مطلقة. وهذا مغاير للبحوث غير الأدبيّة، ولا سيّما العلميّة التطبيقية؛ إذ لها خصوصيّة اللغة والإجراءات المؤسّسة على التجارب المخبريّة، ونتائجها يجب أن تكون علميّة مطلقة أو شبه مطلقة في زمنها خاصّة.    

  1. أنت تبدع بالأدب القديم، ولاشك أن هناك ضرورة له، لماذا هو محارب الآن؟

          لا أرى نفسي مبدعًا؛ لأنّ الإبداع يعني الخلق الجديد، لكنّني دارس للشعر العربيّ القديم، في سياق تغلب عليه قراءة وعي الشعراء لجوهر وجودهم الإنسانيّ العربيّ المتميّز من غيره، وهو وعي أبرزته على نحو خاصّ جدليّة العلاقة بين الإنسان واللغة والأرض، وجدليّة الصراع مع الآخر المعتدي.

          أمّا محاربة الأدب القديم فهي مقولة غير صحيحة في ظنّي؛ فالمعروف أنّ أعلام الحداثة الشعريّة، وفي مقد متهم أدونيس انطلقوا في تأسيس رؤيتهم للماضي من قراءة الشعر القديم، ولا سيّما الشعر الجاهليّ، على نحو إيجابيّ، وهو لشعريّته العاليّة مجال اختبار لتطبيق كثير من إجراءات النقد المعاصر.

          ربّما يرجع ظنّك بمحاربة الأدب القديم إلى ازدحام الساحة النقدية بدراسات تتضاءل فيها نسبة البحث في الأدب القديم ودراسته، وهذا أمر طبيعيّ؛ إذ ينبغي أنّ يكون الانشغال بالمعاصر والراهن أكثر من الانشغال بالقديم، يُضاف إلى ذلك أنّ دراسة الأدب القديم بحاجة إلى خبرات خاصة ونوعيّة،  نجدها غالبًا في الجامعات، ولكنها قلّما غادرت دراساتها مجال التعليم الجامعيّ، ومع ذلك نجد في سورية أسماء تجاوزت أسوار الجامعات السوريّة تحديدًا، وغدت لامعة في مجال دراسة الأدب القديم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة الدكاترة وهب رومية وعبد الكريم محمّد حسين وحسين علي جمعة وأحمّد على محمّد وعدنان الأحمد وسمر ديوب وغيثاء قادرة.                  

  1. هناك ربط بين البحث والنقد عندك، هل هذه ضرورة أم ابداع منك؟

          ثانية أقول: إنّني لست مبدعًا، لكنّي أجتهد وفق رؤيا أحاول العمل بهدي منها. ونفي الإبداع هنا يعني التأسيس في البحث على ما هو منجز، إضافة إلى نقده للوصول إلى إمكانيّة التجاوز. ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ مجال البحث الأدبيّ الواسع يوجب حتمًا الإفادة من النقد المنتج والخاصّ بكلّ مبحث منه.

4-ما رأيك بما يكتب من بحوث، هل ترى واقع البحث مقبولا؟

          من الطبيعيّ أن تكون مستويات ما يُكتب في مجال البحث والدراسة أدبيًّا متفاوتة في الجدّة والعمق والمنهجيّة، ومن الطبيعيّ أيضًا في ظلّ الواقع الراهنّ أنّ يضعف شأن البحث الأدبيّ أو لنقل: شأن ما يُنشر منه في سورية، ويرجع ذلك لأسباب مادّية لا تشجع على النشر، وهي أسباب تعوق الباحث؛ إذ لا تُقدّم له المكافأة المناسبة، علمًا أنّ المؤسسات الثقافية في سورية عملت منذ أشهر، قدر الإمكانات المتاحة، على تدارك هذا الأمر في الجامعات ووزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب، وتلك الأسباب تعوق المتلقّي أيضًا؛ إذ لا يستطيع الوصول إلى ما يريد من البحوث والدراسات لأسباب ماديّة، يُضاف إلى ذلك أمران: الأوّل غياب (نقد النقد)، وهذا ما يسمح بحضور الغثّ ورواجه، والثاني شيوع ظاهرة القصّ واللصق، وهي ظاهرة بدأت تغزو الرسائل الجامعيّة، مع تساهل واضح في التعامل معها، نتيجة أمور أبرزها في ظنّي وجود نظرة دونيّة للثقافة عمومًا وللأدبيّة منها خصوصًا.

5-إنْ كانت الساحة الأدبية تعاني انهيارًا أو ضعفًا فماذا يفعل الباحثون؟ وكيف يحققون مبتغاهم؟

          كلمة الانهيار مرعبة، ولا أرى لها مسوّغًا الآن، أمّا الضعف فحاصل، واستمراره قد يقود إلى انهيار، لكنّ ذلك لن يحصل؛ لأنّ من طبيعة تكويننا التاريخيّ أن نشهد مثل هذا الواقع المرير، وأنْ نستجيب لتحدّيات مواجهته بإبداع وبحث تُحفظ بهما هويّة الأمّة، وهذان الأمران قام بهما المثقّفون الواعون بمعزل عن غياب المؤسّسات الرسميّة، في الزمن المملوكيّ والعثمانيّ، والأمر ذاته يحصل الآن، مع مغايرة ظاهرة؛ لأنّ لدينا مؤسّسات رسميّة لها حضور إيجابيّ على نحو مقبول. أمّا كيف يُحقّق الباحثون مبتغاهم فأشير إلى أمرين: الأوّل أن الباحث الحقّ لن تعوقه الظروف عن الاستمرار بالبحث، فمن كان باحثًا قبل عشر سنوات هو باحث الآن، ومن كان مترهّلًا قبل عشر سنوات زاد ترهّله الآن، والثاني أنّ الباحث الحق لن يصل إلى مبتغاه أبدًا، لآنّه مسكون بتجاوز ذاته دائمًا.

6-لديك بحوث تربط بها بين العوربة والأدب وبحوث عن أشخاص ثورية حدثنا.

          تشغلني كثيرًا إشكاليّة الولاء والانتماء في سياق يقرأ صيرورة الوجود العربيّ. ويُمثّلُ كتابي (الانتماء في الشعر الجاهليّ) الذي صدر عن اتحاد الكتّاب العرب عام 1998 بداية انشغالي بتلك الصيرورة، وفيه تتبُّع لوعي الشعراء الجاهليّينـ وهو وعي قبليّ تنازعته على نحو إيجابيّ انتماءات متعدّدة أبرزها الانتماء إلى العرب، ثمّ صدر كتابي (قراءات في الشعر والعروبة) عام 2018 عن الهيئة العامّة السورية للكتاب بدمشق، وفيه قراءات لتجلّي وعي الشعراء لانتمائهم العربيّ، في مجال رئيس هو الصراع مع الأجنبيّ، وقد تناولت القراءات ستّ  شعراء، ابتدأت بالعصر الجاهليّ (الأعشى)، وامتدّت إلى العصر الحديث (بدوي الجبل). أمّا الشخصيّة الأكثر ثوريّة التي وقفت عندها فهي شخصيّة الشيخ يوسف السعدون الذي قاد ثورة هنانو في لواء إسكندرونة وجبال القصير ومناطق مختلفة من ريف حلب وإدلب، وستصدر هذه الدراسة مرفقة بمذكرات الشيخ عن اتّحاد الكتّاب العرب قريبًا.