"الحب الإلهي عند محي الدين ابن عربي " ندوةٌ للباحثين خالد شمس الدين وعصام النوري

2021-02-24 16:34:00

عيون دمشق - سامر منصور

أقام المركز الثقافي العربي في "أبو رمانة" ندوة حول محي الدين ابن عربي المتصوف والشاعر بمشاركة كل من الأستاذين عصام النوري وخالد شمس الدين.

تناول الكاتب والباحث خالد شمس الدين "الحب الإلهي عند محي الدين ابن عربي" ومما قدمهُ:

"ظل ابن عربي نصف صوفي ونصف فيلسوف؛ منعه نصفه الأول أن يكون مفكرًا خالصًا كما كان يُفترض أن يكون، ومنعه نصفه الثاني أن يكون روحيًا صافيًا كما أراد هو أن يكون. فهل كان أيضًا نصف عاشق توزع شوقًا بين حب المرأة وحب الله؟

ينفي ابن عربي من حيث المبدأ فكرة التناقض بين الحبين؛ فالمرأة -حسب وحدة الوجود- صورة من صور التجلي التي يظهر الله فيها، ولذلك فالرجل وهو يحب المرأة يحب الله في الحقيقة. بل إن حب الرجل للمرأة وفناءه جسديًا فيها، هو أكمل أشكال التعبير عن حب الله، واندماج فيها بكليته كما لا يندمج في أي شيء آخر.

في “فصوص الحكم” استكمل ابن عربي بناءه النظري لوحدة الوجود كمبدأ كليِّ يفسر جميع الحقائق في الألوهية والطبيعة والنفس. وفي هذا الكتاب -وهو أهم وآخر كتبه الكبرى- شرح نظريته في الحب الإلهي بشكل مفصل. وهي نظرية جريئة، تبدو سابقة لسياقها الزمني (القرن 7هـ/14م) بآلياتها المنهجية التي تجمع داخل المصطلح الصوفي بين مباحث متفرقة تنتمي إلى الفلسفة، والفن، وعلم النفس (فهناك توافق لافت بين رؤية ابن عربي وقراءات حديثة في علم النفس الديني، مثل قراءة وليم جيمس لخصائص التجربة الدينية).

 

في السياق الإشكالي العام لتصوف ابن عربي، تبرز نظريته في الحب الإلهي كبند رئيس ضمن لائحة الاتهام “الفقهية” التي لا تزال مشرعة في وجهه.

لكن ابن عربي كان قد دخل في مواجهة مبكرة مع الأوساط الفقهية قبل تبلور نظريته في الحب بشكل واضح في فصوص الحكم.

حول هذه المواجهة المبكرة أخرج ابن عربي كتابه المعروف “ترجمان الأشواق”. ويعكس هذا الكتاب بشكل واضح خصائص كتابته المعقدة التي تتسم بالغموض والالتواء، فهو عبارة عن مرافعة مطولة يدافع فيها عن نفسه بصدد تهمة لا ينفيها أصلًا، أو لا يكاد ينفيها.

وكان ابن عربي قد انتقل إلى مكة سنة 598هـ، حيث اختلط بعائلة الفقيه المحدث زاهر بن رستم الأصفهاني، الذي أحسن ضيافته بوصفه صوفيًا معروفًا، وجمع بينه وبين ابنته الشابة، التي فتنت الشيخ الصوفي بعينيها الساحرتين وقامتها الهيفاء (وهذا من وصف ابن عربي لها في ترجمان الأشواق) فراح يشبب بها في أشعاره التي انتشرت بين الناس.

في أجواء التربص السائدة بين الفقهاء والصوفية، أنكر الفقهاء أن يكون ابن عربي أراد بأشعاره حب الله، بل حب الفتاة الفارسية التي ائتمن على صحبتها، والتي تغزل في مفاتنها بشعر مكشوف: “كان الشيخ يتستر لكونه منسوبًا إلى الصلاح والدين”، مما يشير إلى اتهام “أخلاقي” مباشر يتضمن النفاق والكذب وخيانة الأمانة، فضلًا عن لغة العشق الفاضحة.

يرد ابن عربي في ترجمان الأشواق بأن الفقهاء لم يدركوا حقيقة قصده، فهم لا يفقهون طريقه الصوفية "وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب، ويقصدون في ذلك الأسرار الإلهية. فاستخرت الله تعالى تقييد هذه الأوراق، وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان، أشير بها إلى معارف ربانية، وأنوار إلهية، وأسرار روحانية، وعلوم عقلية، وتنبيهات شرعية. وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الدواعي للإصغاء إليها، وهو لسان كل أديب ظريف، روحاني لطيف".

اختزل ابن عربي المسألة في “طريقة التعبير الصوفية” التي لا يفقهها الفقهاء، فالمشكل يتعلق بلغة الغزل والتشبيب التي يشرح بها الصوفي عشقه لله، وهو مشكل اعتيادي متكرر في سياق الخصومة بين التصوف والفقه. لكن الفارق في حالة ابن عربي يكمن في وجود امرأة “حقيقية” وقع الرجل في غرامها وشبب بها في أشعاره، وليس امرأة “مفترضة” تحضر في القصيدة كوسيط رمزي يشير إلى المعاني الإلهية كما في معظم الشعر الصوفي.

لم ينكر ابن عربي غرامه بالفتاة المكية، فهي: “مسكنها جياد وبيتها من العين السواد ومن الصدر الفؤاد. أشرقت بها تهامة. وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فتمت أعراف المعارف بها بما تحمله من الرقائق واللطائف، عليها مسحة مَلَك وهمة ملِك”. وصرح في عبارة واضحة بأن غزلياته الشعرية كانت موجهة إليها: "فنظمنا فيها أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق وعبارات الغزل الرائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ويثيره الأنس، من كريم ودها، وقديم عهدها، ولطافة معناها، وطهارة مغناها، إذ هي السؤال والمأمول، والعذراء البتول، ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق من تلك الذخائر والأعلاق، فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتمامًا بالأمر القديم، وإيثارًا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكنيّ، وكل دار أندبها فدارها أعني."

ولكن ابن عربي يضيف بعد هذه العبارات قوله: “ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جريًا على طريقتنا المثلى” يقصد الطريقة الصوفية المعهودة" ومعنى ذلك أن فتاة ابن عربي كانت بالنسبة له حبًا حقيقيًا ووسيطًا رمزيًا معًا (حيث لا تناقض). وهو ما يتناغم تمامًا مع نظريته في الحب الإلهي الذي يتحقق في أعظم صوره من خلال حب المرأة.

لكن ابن عربي – الذي استغرقه الغرض الدفاعي في ترجمان الأشواق- لم يحتج بهذه النظرية في معرض المواجهة مع السلطة الفقهية، فلم يتطرق إلى مشروعية حب المرأة وكونه أكمل صور التعبير عن حب الله، بل دافع عن نفسه بطريقة فقهية تقليدية نافيًا الوقوع في أي محظور شرعي، فبدا وكأنه يتبرأ من فعل الحب، وبدت المرأة عبر شروحه التأويلية مجرد رمز لا وجود له خارج القصيدة.

يعلن ابن عربي في مقدمة كتابه أنه أخرجه ردًا على اتهامات الفقهاء. لكنه تكلم فيه بلغة لا يفهمها الفقهاء، لغة التأويل الدارجة في الوسط الصوفي. لقد تجاهل المشكل كما طرحه الفقهاء وهو: عدم مشروعية الحديث عن الله بلغة العشق والغزل عمومًا، والتشكيك في مصداقية التأويل الروحي الذي يقدمه شرحًا لأشعاره بوجه خاص. وطرح المشكل بوصفه مسألة سوء فهم، أو سوء تفهم، يمكن رفعه بتأويل النصوص. لكن تأويلاته –بالطبع- لم تفلح في إقناع خصومه وظلت تلقي على موقفه ظلًا من التشويش والارتباك.

يستند الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي في تعريف "الحب" وأصله وسببه إلى ما ورد في القرآن والحديث الشريف، فالمنهج العرفانيّ الصوفيّ يقوم على تأويل عميق ذي بعد باطنيّ لآيات القرآن وللأحاديث النبوية. و"الحب" عند الشيخ الأكبر مقامٌ إلهيّ، وهو كذلك في أدبيّات العارفين من أهل التصوف. فقد نسب الله الحبّ إلى نفسه، فمن أسمائه الوَدود، وهو المُحبّ، كما يرد في آيات كثيرة في القرآن: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}. وهناك الكثير من الآيات التي يُذكر فيها حبّ الله لعباده من المتطهّرين، والتوّابين، والمتوكّلين، والصابرين، وغيرهم ممن تحقّقوا بسِمات حسنة يحبّها. وجاء في الحديث القدسيّ: "ما تقرّب المتقربون بأحب إليّ من أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به". ويرد في الحديث القدسيّ أيضًا "وجبت محبتي للمتحابين فيّ". في المقابل نفى الله عن نفسه حبَّ قوم اتسموا بصفات لا يحبها، فالأصل أنه لا يحب ما تحققوا به وأحبّ زوال تلك الصفات، فالله {لا يحبّ الظالمين} و{لا يحبّ المعتدين} و{لا يحبّ كلّ مختال فخور} و{لا يحبّ المسرفين}. لذا، فإنّ أصل المحبة عند ابن العربي هو المحبة الإلهية، وكلّ مظاهر الحب المنسوبة إلى الإنسان هي من أصل تلك المحبة الإلهية، وبذلك فإنّ الحب عند ابن العربي - وإن كان معقول المعنى - فإنه لا تُدرك حقيقته، كونه حقيقة إلهية، فهو من المعلومات التي ليس بالإمكان حدّها والإحاطة بها، يدركها من قامت به صفة المحبّة بالذوق. ولمقام المحبة عند الشيخ الأكبر أربعة ألقاب، أولها: الحبّ، وهو خلوصه إلى القلب وصفاؤه عن كدرات العوارض، فلا غرض له ولا إرادة له مع محبوبه، واللقب الثاني: الودّ، وله اسم إلهي وهو الودود، والثالث العشق، وهو إفراط المحبّة ، واللقب الرابع: الهوى، وهو استفراغ الإرادة في المحبوب والتعلق به.

وللحبّ عند ابن العربي سببان، هما الجمال والإحسان؛ فأمّا الجمال فهو من حكم اسم الله "الجميل" الذي وصف به نفسه، والذي تجلّى في خلقه العالمَ على صورته، فكان العالم جميلًا على صورة الله. فالجمال محبوبٌ لذاته".

وبدوره تطرق الأستاذ عصام النوري إلى نقاطٍ عديدة شكلت بانوراما حول حياة وشخصية وفكر وإبداعات محي الدين ابن عربي وقد اقتطفنا بعضاً من هذه النقاط..

في استهلالهِ أشارَ الأستاذ عصام النوري إلى حالة التشويش والشائعات حول هذه الشخصية التي تعد من أشهر المتصوفين فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من وجده من المارقين الملاحدة ومنهم من وجده من الأولياء الأتقياء. وذَكَرَ عدداً من المقولات المنسوبة إليه والتي تسيء إلى فكره وشخصه وبين بُطلانها.  

ثم أردف الأستاذ عصام النوري قائلاً: "لديه 700 مُؤلف لم يبقَ منها سوى مئة.. لُقبَ بألقابٍ كثيرة منها: (الشيخ الأكبر - رئيس المُكاشفين - إمامُ المُحققين - سلطانُ العارفين .. إلخ)

طاف في العالم المعروف وشرع بالتأمل وكان الطريق إلى العلِم بالنسبة له دربان: (التساؤل - والتَخيُّل).

انتشرت كتاباته حول العالم وحتى في الطبقات الدنيا من المجتمع وترجمت إلى الفارسية والتركية وغيرها.

يُعدَّ محي الدين ابن عربي أكثر المتصوفة اطلاعاً على شيءٍ من الفلسفة اليونانية ولكنه لم يلتزم بأيٍّ منها ومن طبيعة المتصوفين عدم خط منهج ثابت واضح لشؤون الحياة والالتزام به.

ومن مقولات محي الدين ابن عربي التي تم التطرق إليها في الندوة :

- الطريق إلى الله أن تكون مع الله.

- الزمان مكانٌ سائلٌ والمكان زمانٌ جامدٌ.

- الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين.

- كل إحسانٍ ترى نفسكَ فيهِ مُحسناً لايُعوَّلُ عليه.

- المحبة إن لم تكن جامعة لايُعوَّلُ عليها.

وتحت عنوان "شطحات" تحدث الأستاذ عصام النوري عن بعض المسائل التي قال بها محي الدين ابن عربي وأثارت خلافاً وجدلاً:

- من قال لا إله فقد كفر .. والصواب أن يقول : لاموجود إلا الله.

- الوَليُّ خيرٌ من النبي.

- إيمان فرعون .. الذي رأى محي الدين ابن عربي فيه إيماناً صحيحاً لأن فرعون نطق بلسانه لما رأى الحقائق والغلبة.

- وقوله:

قلبي قطبي، وقالبي أجفاني ... سري خضري، وعينه عرفاني

 

روحي هرون وكليمي موسى ... نفسي فرعون والهوى هاماني

وقد رأى الأستاذ عصام النوري في "موسى كليمي" أن موسى كليم الله ولايمكن الدفاع عن قوله بأن موسى كليمه ثم ناقض الأستاذ عصام النوري نفسه وقدم دفاعاً قائلاً: " يمكن اعتبارها أن كليمه هو مَن يكلمه .. وهو يستحضر في عزلته وخياله أرواح الأنبياء ويكلمهم ومنهم موسى.

 

- الحُب في أشعار محي الدين ابن عربي:

 

وحول الحُب في أشعاره رأى الأستاذ عصام النوري أن الحبيبة لم تكن وسيطاً رمزياً يُشيرُ إلى العشقِ الإلهي ، بل هي فتاةٌ فارسيةٌ بعينها " تِهامة" وقع في غرامها وشَبَّبَ بها في أشعارهِ.

ولفت إلى أن هناك رأياً آخر يقول أنها كانت حُبَّاً حقيقياً ووسيطاً رمزياً حيث لاتناقض في ذلك وفي منظور محي الدين ابن عربي.

كما أكد أن مواعظ زوجته نظام بنت أبي شجاع بن رستم الأصفهاني ، التي ضربت له مَثلاً في الورع ، كان لها أثرٌ فيه.. ولفتَ إلى كونه كان صوفياً مُتطرفاً في صوفيتهِ مُجانباً لسيرة الأسلاف "السلفية".. ثم أردف الأستاذ عصام النوري قائلاً: وكان لكل شيخٍ مُريدوه إلا أنه قد قيل عن ابن عربي أنهُ مُربي العارفين ، وليس أستاذ المُريدين.

وسمّى بعض أهم مؤلفاته ونقتطف مما ذّكر: (شجرة الكون - الإعلام بإشارات أهل الإلهام - اليقين - فصوص الحكم.. إلخ).

ومما امتازت به شخصية الشيح محي الدين ابن عربي وفق ماقدمه الأستاذ عصام النوري أنه كان لايرمي الناس بالكفُر والزندقة مهما اختلفوا معه ، بل كان يقول لهم عبارته الشهيرة " أخطأ عقلُكَ ولم يُخطئ إيمانُك".. كما أشار الأستاذ عصام النوري إلى أثر خيالات محي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية ، على دانتي والتي تجلت في بعض ماورد في مُألَّفِهِ "الكوميديا الإلهية".

ونوه الأستاذ عصام النوري بأنه لايوجد روايات ومعلومات مؤكدة حول مَماته أو مَقتله وبأنه أصدق الشعراء الذين رثوا أنفسهم وقرأ مقتطفاتٍ من رثائِه لنفسه.. ولكنه أكَّدَ أن شعره في مُجملهِ أقل قيمة من نثره.

وقد تخلل الندوة أغانٍ من أشعار محي الدين ابن عربي عبرت عن رؤاه وعن مكانته لدى عددٍ من الشعوب العربية وعرض لعددٍ من مقولاته وحِكمهِ .

وكعادة الأجيال المتقدمة في السن سعى الأستاذ عصام النوري إلى فرض ذائقته على ما تم تقديمه من قِبل الأستاذ خالد شمس الدين من أغانٍ تستند إلى أشعار محي الدين ابن عربي فقلل من شأن تلك الأغاني وأراد ماغنته أم كلثوم.. وكرر انتقاده وعتابه مراتٍ عدة خلال الجلسة.

وبرغم أن الندوات عادة تكون فيها سانحة لاتتجاوز الستة أو السبع صفحات على الأكثر للمُشارك الواحد إلا أن الأستاذ عصام النوري قرأ كثيراً من أوراقه التي كانت تكفي لكُتيب حول تلك الشخصية ثم بادر برغمِ ذلك إلى انتقدٍ مُكرر للحيز الزمني الذي خُصص لهُ رغم أنه قد أخذ الحيز الأكبر فقد قرأ مايُقارب الأربع صفحات مقابل كل صفحة قرأها شريكهُ في المحاضرة الأستاذ خالد شمس الدين ورغم ذلك ظلَّ الأستاذ عصام النوري يتذمر ويحتج على نحوٍ عجيب ! مُعطياً صورة سلبية عن جيله في الحالة التشاركية مع أجيالٍ أصغر سنّاً.. برغم كون الأستاذ عصام النوري من الشريحة المثقفة !