دور التراث الشعبي الفلسطيني المقاوم... بقلم الباحثة الدكتورة نجلاء الخضراء

2021-02-11 19:20:00

عيون دمشق - بقلم الباحثة الدكتورة نجلاء الخضراء

 

هي ثوابت ميزت الأمة وأعطتها الطاقات التي تزيد من سرعة انطلاقها على طريق التقدم والبناء، وغذاء فكري يساعد الأجيال القادمة على التطور والسير في طريق التقدم والحداثة. إن الوعي بالتراث وإحياءه يعني أن نبصر جذور غدنا المشرق ليصبح روحاً سارية في ضمير الأمة وعقلها لتواصل مراحل تاريخها. لذا فقد تحتّم على الشعب الفلسطيني في ظل ما يعانيه من احتلال للأرض ومحاولة لسلب الهوية وطمس التاريخ والتراث، العودة إلى قراءة صفحات تراثه وإبرازها وتسويقها وتنميتها، فهي الشاهد على غناء حضارته وعبقريّتها وتمايزها، وهي تعبير عن روح الشعب ومشاعره وأحاسيسه وتقاليده وعاداته التي ورثها عبر مر السنين والحضارات واختلاف الثقافات على تلك الأرض المقدسة.
يواجه الإنسان الفلسطيني اليوم خطراً كبيراً أكبر من خطر الاحتلال والتهجير والإبادة وضياع الأرض وتهويدها، إنه خطر انحلال الهوية الفلسطينية وذوبانها، وتتمثل تلك الهوية بالتراث الشعبي الفلسطيني أو أنها جذر أساسي من جذورها. لأن التراث هو القاسم المشترك بين جميع الفلسطينيين على اختلاف أيديولوجيتهم وجغرافيتهم وعناوينهم السياسية. وفي أحضان التراث الفلسطيني وجد الشعب الفلسطيني شيئاً من السلوى والعزاء، فعبر من خلاله عن حنينه وبه شدّ من عزيمته ونادى به أرضه فوثق أسماء المدن والقرى الفلسطينية ودوّن عن طريقه سيرة الوطن والقضية، وأثبت به أصالته وتجذّره والتصاقه بأرضه.
فالتراث الفلسطيني تراث عريق، إذ يعود الجانب الأكبر من تراث فلسطين إلى مراحل بالغة القدم في تاريخ الإنسان، وينحدر مع الآباء والأجداد عبر قرون طويلة ويحتفظ لنا بذخيرة وافية نستطيع بدراستها أن نعرف الحياة الذهنية والروحية لأسلافنا، ونستطيع أن نضبط التاريخ الاجتماعي منذ العهود البرونزية إلى العهود المعاصرة. ويصبح بمقدورنا التعرف على الدوافع النفسية الشعبية لكل حضارة من الحضارات التي عاشت على أرض فلسطين وسكنتها، وكيف تعامل الانسان الفلسطيني وتماهى معها، فعلّمها وأخذ منها وكيف تعامل مع ميولها وسلوكها(1).
تتطلب دراسة التراث الشعبي الفلسطيني أخذ الأقوال من أفواه قائليها ورصد العادات أثناء استخدامها وفي بيئتها. فإن مواد التراث تتصف بمجاراة العرف والعادة وتنسب إلى الجماعة الشعبية وتتناقلها الأجيال عن طريق الرواية الشفوية التي تنقل الآداب والفنون القولية أو عن طريق المحاكاة والتقليد اللذين يبثان فنون الموسيقا والرقص والتشكيل(2) بشكل متواصل متجدد من العهود الكنعانية وحتى يومنا هذا.
والتراث الشعبي مجهول المؤلف، لأن العمل الشعبي يستوي أثراً فنياً بتوافق ذوق الجماعة وجرياً على عرفهم من حيث موضوعه وشكله. ثم إن وسيلة إذاعته وهي النقل الشفاهي لا تلزمه حدوداً جامدة بحيث يكون من المستطاع أن يضاف إليه أو يحذف منه أو يعاد ترتيب عناصره، فالتراث الشعبي الفلسطيني ملك شائع لكل الفلسطينيين يسوونه كيف ما أرادوا(3) وهو متشابه مع التراث العربي ومتصل به، ويكاد يكون موحداً مع التراث الشعبي لبلاد الشام.
تعددت الثقافات والحضارات والأيديولوجيات التي مرت على أرض فلسطين وتنوعت لأنها جاءت من بيئات مكانية متباعدة ثم امتزجت جميعاً في تركيبة معقدة ومستويات متنوعة على مدى فترة زمنية طويلة. ومع ذلك فعن طريق التكرار يسهل اكتناز عناصر التراث الشعبي في الذاكرة بحيث يسهل على الجمهور روايتها وإنشادها وعلى المستمعين متابعتها، والتكرار يكون بالكلمة أو بمقطع منها وبالعبارة والمقطع من الأغنية والنغم والموسيقى والمعنى والصورة اللفظية، وتعود أهمية التكرار إلى أن الكلمة الشفاهية تحتاج إلى التكرار لتثبيتها في الذاكرة على خلاف المطبوعة والمكتوبة(4).
التراث الشعبي الفلسطيني تقليدياً يحتفظ بشكله ومضمونه رغم اجتيازه فترات زمنية كبيرة، والتقليدية يمكن أن تتحول إلى موقف عاطفي من التراث الشعبي فتعطي الاستعداد البشري للولاء له وخاصة فيما يتعلق بالمعتقدات التقليدية. ومن صور التقليدية في التراث الشعبي الفلسطيني التزام الرواة بنصوص الروايات التي يحفظونها التزاماً صارماً كل الصرامة بحيث تستشعر منهم حرصاً بالغاً يصل إلى حد تقديس الكلمات. فإذا أحس أحدهم أنه أخطأ أو التبس عليه الأمر، توقف وأعمل ذاكرته واستعاد السياق وبدأ يصحح الخطأ ويواصل من جديد.
ويمكن الإشارة هنا إلى تكرار نفس الوحدات في تزيين اللوحات، وقد أصبحت هذه السمة اليوم من سمات التراث الشعبي وكذلك تكرار أشكال التماثيل الخشبية المنحوتة من خشب الزيتون، نلاحظ تكراراً واضحاً في رسومات الفسيفساء في قبة الصخرة وكذلك التكرار في كلمات الأناشيد، فبعد كل نهاية مقطع نعود ونكرر بداية الأغنية مثل على دلعونه ويا زريف الطول...إلخ، وتكرار الغرز على الأثواب الفلسطينية.
إذاً التراث الشعبي يتحرك حركة دائرية مستمرة من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، فقد يتحرك من الكبار إلى الصغار، ومن الأمثلة على ذلك ما طرأ من تغير وتطور على الحكايات الشعبية الخرافية، فقد كانت فيما مضى متعة للكبار، ومع مرور الزمن نزلت إلى مستوى الصغار، وإن حفظها الكبار ورددها فلإمتاع الصغار وتربيتهم.
ويمكن للتراث أن ينتقل من الأسفل إلى الأعلى أيضاً وذلك مثلاً عندما نقوم بجمع حكايات الأطفال الشعبية في كتب تتداولها الطبقات العليا أو عند جمع بعض الأغاني التراثية الشعبية الفلسطينية وتحديثها لتكون سلعة تستهلكها الطبقات العليا، وهناك نماذج أخرى من ميدان الحرف الشعبية عندما تصنع القطع الشعبية كالأنسجة والغرز أو السلال القشية أو الصابون النابلسي مثلاً ليدخل الآن إلى بيوت الطبقات العليا فتوضع على رفوفهم وتزين بها منازلهم.
ثم يعود هذا التراث ويكمل دورته من الأعلى إلى الأسفل لتعود تلك العادات أو الأغاني والرقصات أو القصص والحرف الشعبية وغيرها من أشكال التراث الشعبي إلى عامة الشعب، فتدخل تلك الرقصات مثلاً في أفراحهم بعد أن حدّثت من الطبقات العليا وأدخل بها الجديد الذي طورها وحافظ على كينونتها وأصالتها(5).
فللتراث الشعبي الفلسطيني خاصة نابعة من تصور الثقافة على أنها التراث الاجتماعي

الذي يرثه أعضاء المجتمع الفلسطيني من الأجيال السابقة. وللسمات الثقافية قدرة هائلة على الانتقال عبر الزمن، بل إن كثيراً من هذه الملامح والسمات تتمثل بوجه خاص في العادات والتقاليد والعقائد والخرافات والأساطير والأغاني والأناشيد تحتفظ بكيانها لعدة أجيال حتى بعد أن يزول السبب الذي أدى إلى ظهورها لأول مرة.
إن عناصر الثقافة أمور يكتسبها الإنسان بالتعلم من المجتمع الذي يعيش فيه وذلك على اعتبار أنها المعرفة التي تتراكم على مر العصور على شكل تقاليد متوارثة. فعنصر التعليم عنصر أساسي في تعريف الثقافة، وهي بذلك تتمايز عن التراث الثقافي البيولوجي الذي ينتقل إلينا عن طريق الجينات أو المورّثات. فتراكميّة الثقافة مبدأ هام يؤخذ دائماً في عين الاعتبار(6).
التراث ليس لحظة وليدة مسروقة من عمر الزمن وليس نبتة وحشية تنمو على ضفاف الأسطورة. التراث يقوم على جدارين صلبين: جدار الزمان وجدار المكان، وتراث الشعب الفلسطيني يحقق أصالته بتمكنه من هذين الشرطين.
يمثل التراث الشعبي الفلسطيني المخزون التاريخي للشعب الفلسطيني عبر العصور المتعاقبة الذي ورثته الأجيال ويمثل هوية الشعب الفلسطيني والعمق التاريخي والحضاري له، وقد تعدّت أهميته الحدود وتخطّت البلاد وعبرت القارات، بسبب التهجير القسري الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني؛ حيث توجّب عليه حمل تراثه وهويته معه أينما حلّ وأقام، فكان تراثه مدعاة للفخر والتميّز، إضافة إلى أنه شاهد على أصالة الشعب الفلسطيني وعراقته وتجذّره وتمسّكه بأرضه وعاداته ولهجته ودينه وأسلوبه الخاص الذي تميّز به.
...

المراجع
1-صالح. أحمد رشدي، الأدب الشعبي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1971، ص17-21
2-يونس. عبد الحميد، دفاع عن الفلكلور، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973، ص10
3-خورشيد. فاروق، عالم الأدب الشعبي العجيب، القاهرة، دار المعارف، 1965، ص12.
4-عبد المقصود. محمد فوزي، التراث الشعبي وتربية الطفل المصري،
5-الجواهري. محمد، علم الفلكلور، القاهرة، ج1، 1981، ص517-520.
6-قاسم. أمجد، الثقافة ..مفهومها وخصائصها وعناصرها، آفاق علمية، 26يناير2011