زهرة التوليب...بقلم محمد الأحمد العبدون

2021-01-27 16:22:00

عيون دمشق -بقلم محمد الأحمد العبدون

 

ما أجمل الأطفال، وما أجمل ابتسامتهم البريئة، ما أجمل قلوبهم الصافية البيضاء النقية، التي تنبع حباً وتفيض حنان.
توليب طفلة رقيّة نبتت على ضفاف الفرات، تضحك لها الشمس عند إشراقها، ويتوارى لها القمر خجلاً في المغيب، يداعب ضفائرها نسيم الرقة، الذي يزداد عذوبة من انسياب شعرها وهو يغازل خيوط الشمس الذهبية، ويسرحُ كانسياب الفرات في مجراه الأبدي.
حملتْ هذا الاسم لأن زهرة التوليب أرشق أنواع الزهر في تعلم لغة الورد، ولغة الورود لغة سامية ليست لكل البشر، أنها لغة القلوب المؤنسنة، فهي تخرج من القلب، لتدخل لتعود فتدخل إليه.
تقول إحدى الأساطير الفارسية، أن شاباً اسمه فرهاد وقع بحب شيرين، وهي فتاة غاية في الجمال، ويوماً ما جاءه خبر موتها، فما كان منه إلا أن امتطى حصانه قافزاً من أعلى الجبل ليلقى حتفه، وحينما نزفت دماؤه النقية المشبعة بالحب والإخلاص، نبتت من كل قطرة من دمه ( زهرة توليب ) رمزاً لحبه المخلص.
هكذا درة الفرات لا تعرف إلا الحب والاخلاص والتسامح والسلام والولاء، والترحيب والأسف والأماني كزهرة التوليب.
فأي حب وأي أماني وأي ترحيب بالموت القادم من دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، التي أُهديت إليك يا مدينة السلام.
كل الليالي بعد استباحتك باتت مُقلقة، لكن ليلة العشرين من آب كانت أكثر إيلاماً في المدينة، فعند حلول المساء، تسلل الظلام إلينا بخطى ثقيلة رهيبة ومرعبة، ليسرق أرواحنا. أخذ الخوف يسري في أعماقنا ويلاعب أوصالنا بحركات لا مثيل لها في الرقص الجنوني، فما كان منّا، نحن الأربعون شخصاً، إلا التدافع إلى منزلين، أوينا إليهما لنشدّ من أزر بعضنا ونقاتل الموت بأجسادنا الطاهرة العارية.
هنا وقعت الواقعة ولم تكن لوقعتها كاذبة، فرجّت الأرض بنا رجا، وكنا هباءً منبثا. هذا ما وعد به الدعاة وصدقوا بوعدهم المشؤوم، لكنهم لم يعرفوا أنهم قد حرروا أرواحنا بوعدهم هذا، من قيود الجسد الذي استهدفوا وصعدوا بنا إلى الحرية الحقيقية التي لا كذب فيها ولا خداع.
فقط أنا وزوجي وشقيقه وابن عمه لم تحرر أرواحنا من عبودية هذا الجسد، وعندما صحوت من حالة الإغماء وهول الواقعة، مقيدة بثقل شديد إلى الأرض لا أستطيع الحركة أو الكلام، سمعت ابن عم زوجي ينادي ويصيح طالباً النجدة، والصدى يردد الكلام بين ثنايا الحطام.
في الصمت المتحفز والظلام الدامس، كما كنا أيام داعش، حتى حفيف الهواء مرعب ومخيف ينذر بالموت، هو ذات الصمت، لا أسمع فيه إلا هدير وأصوات غربان التحالف التي لا تبق ولا تذر ولا تعرف الرحمة، شعرت بأقدام المارد تحوم حولنا.
نظرت من تحت الغبار والخوف يعتصر قلبي، إنه زوجي .. إنه زوجي، هو الأشد إصابة بين الناجين وهو الأكثر وسامة بين رجالات المدينة، رأسه الجميل قد فجّ من جنب والدم يتدفق من أذنيه، متوسداً ذراع أخيه، تلاقينا بعد ليل طويل، ويا له من لقاء. أخذنا نصيح بصوت عال ومرتجف، يخترق هذا الصمت المميت، لا نطلب فيه إلا القيامة. لم يرد علينا أحد ولم يتحرك فينا إلا الموت الذي يحوم فوقنا ويطاردنا من مكان إلى آخر.
اختبأنا ملتحفين الخوف وسط الأنقاض حتى ساعات الصباح الأولى، حيث أشرقت شمس لم أرها من قبل، افترشت قلب السماء وادلّت بضفائرها الذهبية خيوط أمل. عندها وجدنا توليب، ابنتنا الصغيرة الجميلة، زهرة الحب الغافية في سفح الوادي وقد نجت بالموت من الحياة بأعجوبة، فاحتضنها التراب، لافاً ذراعيه حول جسدها المتعب، غامراً إياه بحنان باردٍ في ظلام الليل، بجوار شجرة غرست جذورها في أرض المحبة والسلام والخير والعطاء، لتصبح طائراً جميلاً يغرّد بأعذب ألحان الحرية والعشق الأبدي.
لك السلام يا زهرة الجبل، لك السلام وأنت تطرّزين وادي المدينة سجادة للعاشقين، وتمسحين بطُهر النهر هذي الجراحات، كم مرة سندفع الثمن يا توليب، كم مرة نزفت جراح الفرات دماً على محبوبته عشتروت (الرقة)، وكم من وردة ستنام لتعود تنهض من جديد كعنقاء الرماد، وتنفض الغبار عن رقتها وجمالها وبراءتها.

قصة من قصص الرقة البريئة، اغتالها الإجرام الدولي وحقوق الإنسان.