أنا شاعرة أولاً ......بقلم : آنا بانونتو

2021-01-06 15:47:00

عيون دمشق - بقلم : آنا بانونتو

ترجمة: ربى عبد اللطيف ياسين قصاب

تدقيق لغوي: زهور الكردي

 

أنا معلمةٌ كندية، مع خِبرةِ اِثنَينِ وعِشرينَ سنةٍ في مجالِ التّعليمِ. معلمةُ لغةٍ إنكليزية في مدينةٍ متعددةِ الثقافاتِ تُدعى مونتريال. معلمةٌ للطلاب البالغين من مُختلفِ الفئاتِ العمرِيّةِ، أدرِّسُ صَّفَّ طلابٍ مُتعدِّدِ الثقافاتِ، طُّلابٍ من مُختلفِ بِقاعِ الأرض.

 

أنا فخورةٌ بأنّني كندية، كنديةٌ من أصل إيطالي. نعم، أعتزُ وبقوةٍ بهويتي ثنائيةِ الثقافة، وهي تُلازِمُني في كل مكان، وبشكل خاص في الفصلِ الدِّرَاسّي.

 أنا شاعرةٌ تتركُ بصماتِها أينما حلّت، حتى في نومها. أصلي هو الخالق، لُغتي عالمية، روحي هي ذاتي غير الماديّة، والتي قدْ تكونُ غير مرئيةٍ للبعض.

 

خلالِ أعوامٍ عديدةٍ، سألني كثيرٌ من الطُّلابِ هل أنا معلمةٌ أم شاعرةٌ أولاًّ؟  كشاعرة، أحبُّ الكلماتِ لألوانها، لتركيبتها، لأصواتها، لأوزانها، وعلى رأسِ كل ذلك، لتأثيرها الحسيِّ، فالكلمات تضيفُ لوجودي صدىً ورنيناً.

 

على مدى العقودِ، يتبلورُ بناءُ أبياتي الشعرية. فالاستعارات والتشابيه لم تعدْ جميلةً فقط بشكلها الجمالي، بل إنَّ هُناكَ نشوةً ضائعةً، استعادةُ حقائقَ جديدةً.

 

سذاجةُ العِشريناتِ من العُمرِ، ودُخولِ الثلاثينات، الحِكمةُ في الأربعينات، وظهور الذاتِ الأصيلةِ في بدايةِ الخمسينات من العمر.

الوصولُ إلى أن يُحدِّدِ الآخرونَ هُويَتُهم بكلمة أو بعبارة أو حتى بيتِ شعرٍ يُثيرُني بشكلٍ كبيرٍ. فالجماعية تُثري الرِّحلةَ الإبداعية، وتزيّنُ الروحَ بألوانٍ نابضةٍ بالحياة لا يُمكِنُ وصفها لعيني البشرية.

 

لعل البعضَ يُحدِّدُ هُويتَهُ عبر ثِقلِ بعضِ الأبيات، بينما يجدُ آخرون هذا الثقلَ صارخاً ومثيراً للأعصاب. بالنسبة لي، هذا شيءٌ عادي طالما لا تُطلق الأحكام. لقد شبّه قرنائي الشعراءُ أشعاري بصدماتٍ كهربائية غير متوقعة تسري في أجسادهم لا بل تقتحمها. وأنا بدوري لم أعد أعتذر. إنها مجرد تحيةً من روحٍ إلى أخرى.

 

 وبالتالي من أنا؟

 وجودي نصّبَ نفسه مع لمسةٍ من الغطرسةِ الصلبةِ واندفاعٍ من التهكم القاتم.

فهل كوني شاعرةً هوهوية حقيقية؟ ماذا يعني ذلك حقاً؟

إنه يعني أني شاعرةً تملكُ العديدَ من الاعترافات التي تَهدِفُ الى تِبيانِ غموضِ ألغازِ قلبي. أتقبلُ وأتفهمُ اختلافاتِ ووجهاتِ نظر كل هؤلاء المُتحدّثون بلغاتِ العالم والقادمون إلى ديار الغربة. فنحن نتوحد مؤقتاً من خلال الشعر. فأنا أُولَدُ من جديدٍ مراتٍ ومرات..

 

إنّ ذلكَ الصّوتُ الوجودي يقدّمُ معانٍ تنزِعُ طبقات الطغيانِ والكبح والقمع الذي كان سائداً في الأمسِ.

 

 

كوني معلمة أعترفُ بأنَّ كلاً من الكلماتِ والصمتِ يمتلكانِ قدرة.

فالكلماتُ إما أن تنسابَ وإما أن تتجزأَ. الكلمات ذاتُ تأثيرٍ. ففي قاعة الفصل الدراسي، تقومُ الكلماتُ بتشكيلِ المجموعة. دعونا نجعلَ من اختلافاتنا قواسماً مشتركةً، هذا هو حُلُمي.

فأنا ألتقطُ اللحظاتِ التي نسيها الآخرون بل وأحييها دون إذنٍ من أحد. وإذا كان الإيثار هوعملٌ أنانيٌ، "فأنا أنانية".

 

بكلِّ الأحوال، أي لُغةٍ يتحدثُ بها صوتي الشِّعري؟

في الحقيقة، هنالك العديدُ من الأصواتِ التي تأتي من أجدادي. فصدى وطني الأصلي يتردد فيّ حتى ولو لم أكن حاضرةً هناك جسدياً. أسافر في أحلامي الى أماكنَ غير معروفةٍ لدَّيَّ. أماكن ليست في كندا ولا في إيطاليا.

 قدرتي على التواجد في الماضي والحاضرِ والمستقبلِ، لا تنبع من أصول أي بلد.

 

قطرةٌ أو قطرتانِ من دماءِ أجدادي

 تُباركُ أشعاري

وتنسابُ من خِلالِها                  

 روحٌ للُّغاتي

فأنا وردةٌ عتيقةٌ أوراَقُها بشكلِ ملعقةٍ

ومع ذلكِ، دائماً شاعرة أولاً.