حماة..حضارة شعب صامد

2020-12-30 17:38:00

عيون دمشق- حوار: مع الأستاذ عبد القادر فرزات مدير الآثار والمتاحف في حماة.

 

حاورته: الإعلامية لبنى مرتضى
إن القيم السورية والإرث الحضاري العريق المتمثل بالكينونة الإنسانية القديمة التي تحمل آلاف السنين من الحضارات التي مرت، تسابق الزمن في وجودها وبصمتها ورفعة أسلوبها وتقانة أدواتها هي جذر تأصلت به بلادنا وحملت عناوين عريضة لتاريخ شعوب مرت وعبرت في برهة من الزمان والمكان، فكانت نبضتها نصب شامخ، وطريق عشتار الأول، وسمة الفينيق وطائر حلق في سماء الأكوان نادى( يابلادي استعيديني وافيقي فنحن في اللجة نحترق) فربة النصر (فيكتوريا) لاحت لأفق البعيد أننا حفرنا التراب عزة انتماء وكرامة تاريخ..
ومن هنا كان لنا لقاء مميز مع الأستاذ عبد القادر فرزات مدير الآثار والمتاحف في حماة وبدأنا معه بسؤالنا:
الأستاذ عبد القادر ماذا يعني أن تكون مديرا للآثار والمتاحف في محافظة حماة، وكيف يمكنك تفسير أن يكون الوطن أكبر من حجم المنصب؟
_ليس المهم ان اتبوّأ مكاناً عالياً بل الاهم ان املأ المكان الذي انا فيه.
والمهمة المكلف بها هي امانة الامانات لأنها هوية وكرامة وطن وشعب.لأنها جهد عقل وعرق اجداد أمناء ..لأنها مرتكز الغد في الحاضر لأجيال نربيهم على معنى الكرامة والسيادة والهوية عبر نتاج اجدادهم لتعزيز التجذر بالوطن ترابا وشعبا وتاريخا..
فالمهمة ليست كرسيّاً ووجاهة واستئثاراً بمكتب بل هي مكان اختبار لأصالة وانتماء ووفاء الشخص المؤتمن عليها..
من هنا وهناك يكون الوطن هو الهدف عبر كل المواقع والعاملين في المواقع لأنه اكبر من الجميع ولأنه خيمة الجميع والتقصير تجاهه يؤذي الجميع.....واختم بقول السيد الرئيس بشار الاسد..(( ان بناء الوطن مسؤولية الجميع وحماية الوطن مسؤولية الجميع وخير الوطن للجميع..)).
2_هل هناك امكانية إحصاء دقيق عن حجم الخسائر التي لحقت بالمواقع الأثرية بحماة أثناء الحرب وكيف ساهمت القوى المعادية في ذلك؟
_تعرضت المواقع الأثرية كباقي القطاعات الأخرى في مؤسسات الدولة لأعمال التخريب والنهب والسرقة وطالت التعديات كافة المواقع الأثرية في محافظة حماة، وأهم هذه المواقع التي تقع خارج حدود المدينة مثل قصر ابن وردان الذي يقع شرق مدينة حماة على بعد مايقارب 70كم ، فقد تعرض لأعمال التخريب وتكسير لبعض حجارة واجهته الأمامية التي تحمل بعض الكتابات والرموز الدينية حيث تم إزالة جميع الصلبان المرسومة على الجدران من قبل المجموعات الإرهابية بمختلف مسمياتها من تنظيم داعش الإرهابي وجبهة النصرة وإلى مايسمى بالجيش الحر.
كما تعرض موقع أفاميا الأثري الهام على مستوى العالم إلى عملية التنقيب والحفر الغير قانوني حيث أصبح للعلن أمام مرآى العالم مستخدمين الآليات الثقيلة بالحفر ممنوعة دوليا التي أدت إلى تخريب السويات الحضارية وطمس المعالم الأثرية لهذا الموقع التاريخي الهام، لاهثين خلف الكسب المادي واللقى الأثرية الثمينة بعيدين كل البعد عن الحس الوطني والأخلاقي تجاه هذا الإرث العظيم.
كما قامت المجموعات الارهابية بحفر العديد من التلال الأثرية المنتشرة في هذه المحافظة العريقة والتعدي على قلعة شيزر الأثرية من خلال القصف الصاروخي الذي أدى إلى تصدع الواجهة الرئيسية عند مدخل القلعة بالإضافة لمحاولة سرقة المتحف الوطني وذلك ضمن أعمال الشغب عام 2011م بداية الأزمة والحرب الكونية على سورية.
3_ماهو الدور الذي اتخذته مديرية الآثار للحفاظ على الأرث الحضاري والأثري في محافظة حماة؟
_إن الآثار هي ملك الجميع وليست ملك لشخص أو فئة معينة، لذلك يجب المحافظة عليها من قبل الجميع والكل مسؤول بالحفاظ على ارث بلادنا.
فمن المستحيل أن تستطيع مؤسسة واحدة حماية هذا الإرث المنتشر في أرجاء المحافظة مهما بلغت الإمكانيات لذلك لابد من التعاون مع الجميع وخصوصا المجتمع المحلي بالتعاون مع الأهالي الشرفاء.
الذي تم من خلالهم انقاذ مقتنيات المتحف الثمينة والفريدة من نوعها التي تبلغ أكثر من 8000 قطعة أثرية موجودة ضمن قاعات العرض وفي مستودعات متحف حماة الوطني التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة.
وقد تم إخراج المخربين واللصوص خارج سور المتحف بعد دخولهم لبهو المتحف، 
وفي عام 2011 تم التعاون ايضا مع العاملين الأوفياء من شعبة آثار آفاميا في جمع القطع الأثرية الهامة والقطع الذهبية وبعض التماثيل والأواني والمقتنيات الفريدة وتم وضعها في صندوق حديدي وطمرها في بطن الأرض لعدة سنوات ، وهذا العمل تم بشكل سري بالتنسيق مع الجهات المختصة لحين تحرير المنطقة بشكل كامل، وبنفس الوقت تم الدخول إلى متحف أفاميا ومتحف الفسيفساء وتم الاطمئنان على مقتنيات هذا المكان الذي يحوي على أهم وأجمل القطع الفسيفسائية على مستوى سوريا ومن أهمها (لوحة سقراط_ والحكماء_ وحوريات البحروالمقاتلات المحاربات ولوحة الوعل) والعديد من اللوحات الهامة التي يعود زمنها للفترة الرومانية، وبعدها تم استخراج الصندوق الحديدي من بطن الأرض ونقله إلى مستودع متحف حماة الوطني سالما وذلك خلال عام 2019 بالتعاون مع قيادة شرطة حماة والجهات الأمنية المختصة.
وحاليا هو موجود في متحف حماة الوطني واتخاذ كافة الاجراءات الوقائية والاحترازية من قبل الحراس الجوالين التابعين للدائرة والتنسيق مع الأهالي الشرفاء لمنع عمليات الحفر والتنقيب السري، كما تم تحصين الأبواب والنوافذ للمتاحف بمحافظة حماة، وتم اغلاق المستودعات ايضا بشكل كامل.
4_ماهي الخطة المحكمة التي اتخذتها مديرية الآثار للحفاظ على الإرث الحضاري والأثري في محافظة حماة؟
_ تعتبر مدينة حماة من المدن الآمنة التي لم يتمكن الارهاب من النيل منها بسبب وعي ووفاء آهلها للوطن وقائد الوطن، حيث المباني العامة والمباني الأثرية خاصة لم تتعرض للتخريب والتدمير كباقي المحافظات مثل حلب وحمص وإدلب.
وبالنسبة لأعمال الترميم لبعض الاماكن التي طالتها يد الارهاب فهي تسير بشكل دوري ومستمر وضمن خطط سنوية ووفق الأولويات والاحتياجات الملحة، وبالنسبة للمباني التي تعود ملكيتها لدائرة الآثار في حماة تتم أعمال الترميم الدورية ضمن الكشوفات الهندسية لشعبة الهندسة والقيام بأعمال الترميم بشكل مباشر، والمباني التي تعود ملكيتها للأهالي والأخوة المواطنيين تقوم دائرة الآثار بحماة بمنح الموافقات اللازمة والاشراف المباشر لأعمال إعادة التأهيل والترميم وفق شروط الترميم المعمول فيها في المديرية العامة للآثار والمتاحف.
4_ هل هناك مشروع نهضوي قائم تتمثل به إدارة الآثار في حماة سيطبق بالايام القادمة؟
_الحقيقة قبل الأزمة كانت الطموحات واسعة حول تطوير صناعة السياحة في سورية من خلال تأهيل المواقع الأثرية بشكل جيد ولائق، وتخديمها بشكل أمثل بالتعاون مع دوائر الآثار ومديريات السياحة بالمحافظات من خلال تأمين الطرقات والفنادق والمطاعم والمقاهي والتعاون مع شرطة السياحة لتأمين الحماية والأمان، وفتح أسواق تراثية قريبة من المواقع الأثرية، ولكن الأزمة كانت السبب الرئيسي لشل حركة السياحة السورية رغم توفر كل مقومات السياحة.
فنحن هنا نأمل أن تعود بلادنا الحبيبة كما كانت في حلتها الجذابة وأمنها وأمانها.
ونتمنى من وزارة الثقافة استيعاب كافة خرجي كلية الآثار والمعاهد وتسخير هذه الطاقات الشابة، وزجها في العمل الميداني ضمن دوائر الآثار للقيام بأعمال التوثيق للأضرار الجسيمة التي تعرضت لها مواقعنا الأثرية وإعداد الدراسات اللازمة للمواقع  بكافة المحافظات السورية.
كما نأمل تزويد دوائر الآثار بالآليات الحديثة لنتمكن من الوصول لهذه المواقع والكشف عليها بشكل دوري وتأمين دورات تأهيلية دائمة للكوادر العاملة في مديريات الآثار لمعالجة التعديات وتنمية المهارات للمحافظة على هذا الإرث الحضاري السوري العظيم.