العالم الافتراضي لعبة الإغواء وعبثية الانتماء... بقلم ديب علي حسن

2020-06-19 16:38:00

عيون دمشق - بقلم ديب علي حسن

 

شئنا أم أبينا، نحن معلقون في سماوات زرقاء ولاحدود لها، هائمون بوجه أو آخر، قد نبقى قرونا ندور في طبقات من فضاءات مزيفة، لا أحد يدري أين تنتهي وكيف، ولكن اليقين الوحيد أنها فضاءات غير واقعية،
وإن كانت في جذورها من حيواتنا، وواقعنا، ومن مصيرنا، وغدونا فيها مجرد ذرات قد تتشظى إلى آلاف الذرات، ولكن ليس بتفاعل نووي، إنما سحقا واستلابا جعلنا أقرب إلى الكائنات الهلامية، بالتأكيد اتحدث عن عالم الفضاء الازرق، الشابكة، أو النت، أو ما يسميه الدارسون (الفضاء السايبري).‏‏
لم يعد السؤال الان ولا الغد: هل علينا أن نجعل الشابكة هي الهوية والمصدر،فقد سبق السيف العذل، وتحقق الامر شئنا أم أبينا، قبلنا أم رفضنا فنحن معلقون بين المعلقين هناك، ندور وسنبقى إلى أن يكون دوران آخر يلغي ما نحن فيه، الفضاء الازرق فرض علينا حياة جديدة واقعا شئنا أم ابينا لايسرنا لكنه حصل وتجذر، وكانت أمراضه التي على ما يبدو حالة طبيعية عندنا في هذا الشرق، الأمراض التي تنتج عن التطور التقني تصيبنا أولاً وآخرا، ونبقى في اعراضها، دون الولوج في نتائج أخرى يجب أن تكون لخدمة الانسان.‏‏

نعم، لم يعد وقت أن نقبل أو لا، فلا أحد ينتظرنا أو يريد أن يكون رأياً في ذلك، لا رفضا، ولا قبولا، بلحظة واحدة يتقرر الأمر وينتهي، الخيارات متعددة جدا، بل بكل ثقة يمكن القول: إنني حين اعد هذه السطور، ثمة تطور قد حصل على هذا الفضاء السايبري وتطبيقاته, ويكفي لطفل يجيد استعمال الهاتف الذكي أن يضغط بكبسة زر ليحصل على كل جديد في التقنيات التي تتفرع وتتشظى بلا قيد ولا ضابط، فقط عندنا، وليس في اي مكان آخر من العالم.‏‏

أمام هذا الواقع المفارق لكل واقع يبدو السؤال الملح الآن: ماذا بعد ذلك؟ما العمل؟كيف يمكن أن نكون قادرين على التفاعل مع محيط يريدك مجرد مستهلك له، ناقلا لما يريد، يريدك مسلوب التفكير، فمن استلابك الاجتماعي والفكري والديني إلى استلابات أخرى لا يمكن التنبؤ بنتائجها.‏‏

عالم يضخ لك كل لحظة ما يجعلك مجرد هلاميات تحركها اصابع من مكان ما في هذا العالم المزيف، والحقيقة التي يجب أن تعرف دائما هي أن الحرب العدوانية على سورية قد نشطت هذا الجانب من الاستلاب العدواني، فكما تشير التقارير ثمة آلاف الصفحات والمواقع التي تدار من غرف سوداء ولا غاية لها إلا الضخ الاعلامي والتشويه،وإثارة الفتن، هل نذكر بما تقوم به اسرائيل؟ أم بريطانيا أم فرنسا والولايات المتحدة، ومن يدار من قبل هؤلاء جميعا، وكيف تحول الفضاء الازرق الى مجرد مهاترات ونقاشات طائفية وعائلية، والحصاد ما نراه من دمار وكوارث.‏‏

نحن مشغولون بهذا الطوفان كله، والآخر مشغول بصب الزيت على النار، فأنت كعربي ليس مطلوبا منك أن تبتكر وتبدع، ولا أن تطور، فقط كن مستهلكا، تابعا، طائفيا، حاقدا، كن صورة مشوهة لا يعرفها الاخر إلا بالقتل والدم والموت، فقط كن برميل نفط ورصيدا من الدولارات تهرقها على المواخير في الغرب.‏‏

كن انتحاريا لايهاب الموت أمام تفجير نفسه في مقدرات وطنه وشعبه، كن طبيبا مسلوب الارادة يترك العدو الصهيوني في غزة والضفة، ويأتي إلى حلب ليحررها من أهليها، كن وحشا شكله الخارجي إنسان وما يفعله أكثر وحشية من ممارسات الكواسر.‏‏

هلوسة لا إرادية‏‏

ربما سوف يسأل أحد ما: هل نحن وحدنا هكذا، اليست هذه النتائج الكارثية في الغرب ايضا؟السؤال مشروع حقا والاجابة عليه تعني أننا قد شخصنا الحالة هناك ونحن لم نفعل ذلك, لكن الملاحظات والقراءات الاولية تقول: لا، فعلى سبيل المثال كما اشارت صحيفة الاخبار اللبنانية في تقرير لها من لندن: ازداد النشر الورقي في بريطانيا بنسبة كبيرة، وتراجع النشر الالكتروني، وفي فرنسا واميركا واليابان، ولايعني هذا أنهم تخلوا عن الشابكة لا، إنما يعني أنهم يعرفون أنه ذاكرة غبارية كمن يكتب رقما أو اسما على غبار طاولة ويعود بعد أيام ليبحث عنه فلا يجد شيئا, ولم يقف علماء الاجتماع والنفس الغربيون موقف المتفرج، فقد اعدت عشرات بل مئات الكتب حول ذلك ومنها كتاب مهم جدا صدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب ترجمه عدنان حسن، وتحت عنوان: الجغرافيا الافتراضية اجسام وفضاء وعلاقات، لمجموعة من المفكرين والباحثين الذين تؤخذ اراؤهم ويعمل بها، ولا تلقى في أرشيف الاقبية كما عندنا.‏‏

في أحد فصول هذا الكتاب يكتب أحدهم قائلا (لماذا يبنون مدنا هوليودية خاصة؟ فالمرء بالكاد يعرف أين تنتهي المدينة الحقيقية،وأين تبدأ المدينة الخيالية، ألم اشاهد البارحة كنيسة واعتقد انها تعود الى استوديو، فقط لاكتشف انها كنيسة حقيقية؟ ما هو الحقيقي هنا، وما هو غير الحقيقي؟هل يعيش الناس في لوس انجلس أم أنهم يمثلون على الحياة ليس إلا ؟)، هذا التساؤل كان عام 1931 م وقد حدث الان ما حدث، فماذا عن اليوم؟‏‏

الجواب يقدمه جيمس نيل في الكتاب نفسه ص 333 إذ يقول (الفضاء السايبري هلوسة لا ارادية يمر بها يوميا بلايين المشغلين الشرعيين في كل أمة، الاطفال الذين يجري تعليمهم المفاهيم الرياضية تمثيل لبيانات مستخلصة من بنوك كل حاسوب في المنظومة البشرية، تعقيد لايمكن أن يخطر بالبال وخطوط من الضوء ممدودة في لا فضاء العقل، عناقيد وكوكبات من البيانات، مثل اضواء المدينة، تتقهقر).‏‏

أما ماركوس دويل وديفيد كلارك فيقدمان رؤية تقول (الافتراضي بالنسبة الى الواقعي هو مثل النسخة بالنسبة للاصل، انه ليس اكثر من انعكاس وتمثيل، والافتراضي بوصفه نسخة فهو ثانوي، اشتقاقي وتكميلي، إنه سطحي زخرفي ويجعل مساعدا له، ليس فيه شيء جوهري، إنه يشارك بدون انتماء... وكل نسخة طبق الاصل هي ازدواج وقد تطمس الاصلي مع امكانية ادراك الاختلاف بين الواحد والاخر: المال، صنمية السلع، واللعب بالغواء....)..‏‏

وبعد ماذا عن الامراض التي علينا أن نشير إلى اعراضها في قادمات..

 

المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة أن يعبر عن وجهة نظر الموقع